الخلفية:

محاكاة الدماغ البشري تقترب من الواقع مع تطور الحواسيب العملاقة

يقترب العلماء أكثر من أي وقت مضى من محاكاة الدماغ البشري باستخدام الحواسيب العملاقة، بعد أن باتت أقوى أنظمة الحوسبة في العالم قادرة على تشغيل نماذج تحاكي مليارات الخلايا العصبية، وهو مستوى من التعقيد يقترب من الدماغ الحقيقي، وفق تقرير نشرته مجلة نيو ساينتست.

ويقول باحثون إن هذا التطور يمثل نقلة نوعية في علم الأعصاب، إذ لم يعد التركيز مقتصرًا على دراسة أجزاء صغيرة ومعزولة من الدماغ، بل يتجه الآن نحو بناء نماذج شاملة تحاكي الدماغ كوحدة واحدة، بما يسمح بفهم أعمق لكيفية عمله وتفاعل أجزائه المختلفة.

من نماذج جزئية إلى دماغ متكامل

وعلى مدى عقود، حاول العلماء نمذجة مناطق محددة من الدماغ باستخدام الحواسيب، بهدف تفسير وظائف بعينها مثل الذاكرة أو الرؤية أو الحركة. غير أن هذه الجهود كانت محدودة النطاق، بسبب القيود الحسابية الهائلة التي تفرضها محاكاة مليارات الخلايا العصبية والتشابكات بينها.

ويقول ماركوس ديسمان، الباحث في مركز يوليش للأبحاث في ألمانيا، إن العلماء «لم يكونوا قادرين سابقًا على جمع هذه النماذج الجزئية في نموذج واحد كبير للدماغ، يمكن من خلاله اختبار ما إذا كانت هذه الأفكار متسقة مع بعضها البعض»، مضيفًا: «هذا الوضع بدأ يتغير الآن».

قوة حوسبية غير مسبوقة

ويرجع هذا التحول إلى القفزات الكبيرة في قدرات الحوسبة الفائقة، حيث أصبحت بعض الحواسيب العملاقة قادرة على إجراء عمليات حسابية هائلة في زمن قياسي، ما يتيح محاكاة شبكات عصبية ضخمة تضم مليارات الخلايا العصبية والوصلات بينها.

كما أسهم التقدم في فهم كيفية ترابط الخلايا العصبية داخل الدماغ في تحسين دقة هذه النماذج، إذ بات الباحثون يمتلكون خرائط أكثر تفصيلًا للبنية العصبية، تُستخدم كأساس لبناء محاكاة أقرب إلى الواقع.

آفاق علمية وطبية واسعة

ويرى العلماء أن محاكاة الدماغ البشري على هذا النطاق قد تفتح الباب أمام اكتشافات غير مسبوقة، من بينها فهم أعمق لآليات الإدراك والوعي، وتفسير كيفية نشوء الأمراض العصبية مثل الزهايمر والصرع وباركنسون.

كما قد تسهم هذه النماذج في اختبار فرضيات علمية يصعب أو يستحيل اختبارها على أدمغة بشرية حقيقية، سواء لأسباب أخلاقية أو تقنية، إضافة إلى تطوير علاجات أكثر دقة تستند إلى فهم شامل لكيفية عمل الدماغ.

تحديات أخلاقية وعلمية

ورغم هذا التقدم، يؤكد الباحثون أن محاكاة الدماغ البشري بالكامل لا تعني بالضرورة «نسخ العقل» أو الوعي الإنساني، إذ لا يزال هناك جدل علمي واسع حول ما إذا كان الوعي يمكن أن ينشأ داخل نموذج حاسوبي، حتى لو كان بالغ التعقيد.

كما تثير هذه الأبحاث تساؤلات أخلاقية حول حدود استخدام هذه النماذج، وإمكانية توظيفها مستقبلًا في مجالات تتجاوز البحث العلمي والطبي.

ومع ذلك، يتفق العلماء على أن القدرة على محاكاة الدماغ البشري تمثل خطوة مفصلية في تاريخ العلم، قد تعيد رسم فهمنا للعقل البشري، وتفتح فصلًا جديدًا في العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا.

اقرأ أيضاً