قال وزير الطاقة الأميركي كريس رايت إن العالم سيحتاج إلى أكثر من مضاعفة إنتاج النفط خلال السنوات المقبلة، مؤكدًا أن الاعتماد على الوقود الأحفوري سيستمر لعقود، رغم تصاعد الخطاب العالمي الداعي إلى التحول نحو الطاقة منخفضة الكربون.
وانتقد رايت، خلال مشاركته في منتدى دافوس الاقتصادي، سياسات الطاقة الخضراء في كل من الاتحاد الأوروبي وولاية كاليفورنيا، معتبرًا أنها تُنفق مليارات الدولارات على حلول «غير فعالة»، وأسهمت في ارتفاع أسعار الطاقة بدلًا من تعزيز أمن الإمدادات.
النفط سيبقى عنصرًا أساسيًا في مزيج الطاقة
شهدت مناقشات الطاقة في المنتدى الاقتصادي العالمي خلال السنوات الأخيرة تركيزًا متزايدًا على خفض الانبعاثات وتعزيز مصادر الطاقة النظيفة. غير أن رايت، في حوار جمعه مع الرئيسة التنفيذية لشركة أوكسيدنتال للطاقة فيكي هولوب، شدد على أن النفط سيظل ركيزة أساسية في الاقتصاد العالمي لعقود مقبلة.
وأشار إلى أن التحول الطاقي، رغم ضرورته، لا يمكن أن يتم بمعزل عن الواقع الصناعي والاقتصادي، خاصة في ظل الطلب المتزايد على الطاقة في الأسواق الناشئة.
الغاز الأميركي بديل للغاز الروسي… ولكن بشروط
وأوضح وزير الطاقة الأميركي أن زيادة إنتاج الغاز الطبيعي والاستثمارات الضخمة في محطات تصدير الغاز الطبيعي المسال (LNG) مكّنت الولايات المتحدة من لعب دور محوري في تعويض أوروبا عن إمدادات الغاز الروسي التي تراجعت بشدة منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا عام 2022.
إلا أنه حذّر من أن اللوائح البيئية الصارمة في الاتحاد الأوروبي قد تعرّض هذا التعاون للخطر، مشيرًا إلى أن متطلبات الإفصاح البيئي قد تخلق مخاطر قانونية على الشركات الأميركية المصدّرة.
وقال رايت: «هذه القواعد قد تضع المنتجين الأميركيين أمام مسؤوليات قانونية عند تصدير الغاز إلى أوروبا، ونحن نعمل مع شركائنا الأوروبيين لإزالة هذه العوائق».
ويُلزم الاتحاد الأوروبي مستوردي النفط والغاز بمراقبة والإفصاح عن انبعاثات غاز الميثان المرتبطة بالإمدادات، في إطار جهوده للحد من الانبعاثات المسببة للاحتباس الحراري.
جدل أوروبي حول الشفافية البيئية
وبعد ضغوط متزايدة من الشركات والحكومات، وافق الاتحاد الأوروبي الشهر الماضي على تقليص نطاق قواعد الإفصاح عن الاستدامة. غير أن مستثمرين حذروا من أن تقليص الشفافية قد يجعل من الصعب التمييز بين الشركات الجادة في التحول منخفض الكربون وتلك التي تكتفي بالشعارات.
انتقادات حادة لسياسات كاليفورنيا
وسّع رايت انتقاداته لتشمل ولاية كاليفورنيا، معتبرًا أن سياساتها الطاقية تشبه النهج الأوروبي وأسهمت في رفع تكاليف الطاقة على المستهلكين. وأشارت فيكي هولوب إلى أن القيود التنظيمية كانت سببًا رئيسيًا في انسحاب شركة أوكسيدنتال من الولاية عام 2014.
وتواجه كاليفورنيا تحديات متزايدة، إذ من المقرر إغلاق مصفاتين تمثلان نحو 17% من طاقة تكرير البنزين في الولاية، ما يثير مخاوف من ارتفاع أسعار الوقود.
كما تراجع إنتاج الولاية من النفط الخام إلى 300 ألف برميل يوميًا في 2024، مقارنة بذروة بلغت 1.1 مليون برميل يوميًا في عام 1985، وفق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية.
محاولات تشريعية لكبح الأسعار
في محاولة للحد من تقلبات الأسعار، أقر مشرّعو كاليفورنيا في سبتمبر الماضي مشروع قانون يسمح ببناء آلاف الآبار الجديدة، بهدف توفير إمدادات أرخص للمصافي والحفاظ على أسعار الوقود عند مستويات مقبولة للمستهلكين.
وتُعد الولاية معزولة جغرافيًا عن مراكز التكرير الكبرى في ساحل الخليج الأميركي والغرب الأوسط، ما يجعلها أكثر عرضة لتقلبات أسعار الطاقة.
صورة عالمية: إمدادات النفط عند مستويات قياسية
على الصعيد العالمي، بلغ إجمالي إمدادات النفط 107.4 ملايين برميل يوميًا الشهر الماضي، وفق بيانات وكالة الطاقة الدولية، في مؤشر يعكس استمرار الطلب القوي رغم الجهود الدولية لتسريع التحول نحو مصادر الطاقة النظيفة.
تكشف تصريحات وزير الطاقة الأميركي عن واقع يصعب تجاهله وهو أن التحول الطاقي العالمي لن يكون سريعًا ولا تدريجيا، بل سيجري على مراحل تتداخل فيها الاعتبارات البيئية مع حسابات الأمن الاقتصادي والجيوسياسي. ففي الوقت الذي تتقدم فيه السياسات الخضراء، يظل النفط والغاز عنصرين لا غنى عنهما لضمان استقرار الأسواق وتلبية الطلب العالمي المتزايد.
بالنسبة للدول العربية، تمثل هذه المرحلة نافذة استراتيجية مزدوجة فهي فرصة لتعزيز موقعها كمورد موثوق للطاقة في عالم يشهد اضطرابات تنظيمية وسياسية، وفي الوقت نفسه اختبارًا لقدرتها على استثمار العائدات الحالية في بناء اقتصادات أكثر تنوعًا ومرونة. والنجاح في هذه المعادلة لن يقاس بحجم الإنتاج وحده، بل بقدرة الدول على إدارة الانتقال الطاقي بواقعية، لا بدوافع سياسية.


