كشفت دراسة علمية حديثة نُشرت في مجلة Science Advances عن اكتشاف قد يغيّر فهم العلماء لدورة المياه داخل كوكب الأرض، إذ توصل الباحثون إلى أن الماء يمكنه البقاء قرب نواة الأرض في حالة فيزيائية غير مألوفة تُعرف بالحالة فوق الأيونية (Superionic State)، حتى في ظل درجات الحرارة والضغوط الهائلة في أعماق الكوكب.
ويخالف هذا الاكتشاف الاعتقاد السائد منذ عقود، والذي يفترض أن معظم المعادن الحاوية للماء تفقده بالكامل عند تعرضها لدرجات حرارة مرتفعة في أعماق الأرض.
كيف درس العلماء سلوك الماء قرب نواة الأرض؟
أجرى باحثون من معهد الجيوكيمياء التابع للأكاديمية الصينية للعلوم (IGCAS) محاكاة متقدمة باستخدام:
-
ديناميكيات جزيئية
-
نماذج حسابية من نوع ab initio
-
وتقنيات قائمة على التعلم العميق
وذلك لدراسة سلوك الماء والمعادن المائية قرب الحد الفاصل بين الوشاح والنواة، على عمق يقارب 2900 كيلومتر تحت سطح الأرض.
وأظهرت النتائج أن الماء السائل لا يمكنه الاستقرار في هذه الظروف القاسية، بل يتحول إلى جليد فوق أيوني يتميز بخصائص فريدة.
ما هي الحالة فوق الأيونية؟
الحالة فوق الأيونية تمثل مزيجاً غير مألوف بين:
-
بنية صلبة تشبه البلورات
-
وسلوك سائل للأيونات المتحركة
في هذه الحالة:
-
تبقى ذرات الأكسجين مرتبة في شبكة بلورية
-
بينما تتحرك أيونات الهيدروجين بسرعة داخل هذه الشبكة
وهو ما يمنح الماء استقراراً غير متوقع في ظروف يُفترض نظرياً أنها كفيلة بتفكيكه بالكامل.
معدن قادر على حمل الماء إلى أعماق غير متوقعة
ركزت الدراسة على معدن مائي يُعرف باسم δ-AlOOH (دلتا-ألومنيوم أوكسي هيدروكسيد) ، وهو معدن قادر على نقل الماء إلى أعماق قريبة جداً من نواة الأرض.
ووجد الباحثون أن هذا المعدن يمر بما وصفوه بـ “انتقال مزدوج إلى الحالة فوق الأيونية” عند:
-
ضغط يقارب 140 جيجاباسكال
-
ودرجة حرارة تصل إلى 3800 كلفن
وخلال هذا التحول، تصبح أيونات الهيدروجين والألمنيوم شديدة الحركة، ما يضيف قدراً من الطاقة الحرارية (الإنتروبيا) يساعد على:
-
تثبيت البنية البلورية
-
ورفع درجة انصهار المعدن إلى مستويات تقارب ظروف الحد الفاصل بين النواة والوشاح
لماذا لا يتحرر الماء في هذه الأعماق؟
أظهرت الحسابات الحرارية أن فقدان الماء (التجفاف) في هذه الظروف يصبح:
-
غير مفضل من الناحية الطاقية
-
وبطيئاً من الناحية الحركية
ببساطة، لأن الماء لا يوجد كسائل حر، بل في صورة جليد فوق أيوني، ما يمنع آلية التجفاف التقليدية من الحدوث، وآلية التجفاف التقليدية تشير إلى تحرر الماء من المعادن الحاوية له عند ارتفاع درجات الحرارة داخل باطن الأرض، حيث يُفترض أن يتحول إلى سائل أو بخار ويغادر البنية البلورية. إلا أن الدراسة الجديدة تُظهر أن هذه الآلية قد لا تنطبق في أعماق الوشاح السفلي، حيث يدخل الماء حالة فوق أيونية تمنع تحرره.
وأشار الباحثون إلى أن المنحنى الحراري للوشاح السفلي يقع أساساً تحت نقطة تجمد الماء السائل، وهو ما يجعل هذا التأثير قابلاً للتعميم على معادن مائية أخرى في أعماق الأرض.
ماذا يعني هذا لتاريخ الأرض؟
تلعب دورة المياه داخل الأرض دوراً محورياً في:
-
حركة الصفائح التكتونية
-
النشاط البركاني
-
حجم المحيطات
-
واستقرار المناخ على المدى الطويل
وبينما كان يُعتقد أن المياه التي تنقلها الصفائح الغاطسة تُفقد تدريجياً، تشير هذه الدراسة إلى أن جزءاً من مياه الأرض القديمة قد يكون محفوظاً منذ المراحل الأولى لتكوّن الكوكب، مخزّناً قرب قاعدة الوشاح على مدى مليارات السنين.
خزانات مائية عميقة… وآثار على السطح؟
تقترح الدراسة أن مناطق تُعرف باسم مناطق السرعة المنخفضة لموجات القص فوق الحد الفاصل بين النواة والوشاح قد تعمل كخزانات طبيعية لمياه قديمة جداً.
وقد يفسّر ذلك بعض الإشارات البدائية للهيدروجين التي رُصدت في الغازات البركانية على سطح الأرض، ما يربط بين أعماق الكوكب وتاريخه الجيولوجي المبكر.
يقدّم هذا الاكتشاف تصوراً جديداً لدورة المياه في باطن الأرض، ويشير إلى أن الماء قد يكون أقدم وأكثر عمقاً مما كنا نعتقد.
وبينما لا تزال هذه النتائج تعتمد على نماذج ومحاكاة متقدمة، فإنها تفتح باباً واسعاً لفهم أعمق لتطوّر الأرض، وبنيتها الداخلية، والعوامل التي جعلتها كوكباً صالحاً للحياة.


