تقدّمت شركة سبيس إكس بطلب رسمي إلى هيئة الاتصالات الفيدرالية الأميركية (FCC) للحصول على موافقة لإطلاق ما يصل إلى مليون قمر صناعي، في إطار مشروع طموح يهدف إلى إنشاء مراكز بيانات حاسوبية في المدار مخصّصة لدعم نماذج الذكاء الاصطناعي، في خطوة تُعد من الأكثر جرأة في تاريخ البنية التحتية الرقمية.
ويأتي هذا التطور في وقت أعلنت فيه مؤسسة علوم وتكنولوجيا الفضاء الصينية (CASC)، وهي المتعاقد الرئيسي لبرنامج الفضاء الصيني، خططًا لبناء ما وصفته ببنية رقمية فضائية بقدرة غيغاواطية خلال السنوات الخمس المقبلة، ما يصعّد المنافسة المباشرة مع سبيس إكس على الهيمنة في مجال الحوسبة المدارية.
حوسبة في الفضاء بدل الأرض
وبحسب الخطة الصينية التي نقلها التلفزيون الرسمي CCTV، تهدف بكين إلى تطوير مراكز بيانات ذكاء اصطناعي تعمل في الفضاء، تجمع بين قدرات الحوسبة السحابية والطرفية (Edge) والطرفية النهائية، بحيث تتم معالجة البيانات في المدار بدلًا من إرسالها إلى مراكز أرضية تقليدية.
ويرى مطورو هذه الأنظمة أن نقل الحوسبة إلى الفضاء قد يخفف من الضغط المتزايد على شبكات الطاقة الأرضية، خاصة في ظل الطلب المتسارع على الطاقة من تطبيقات الذكاء الاصطناعي، مع الاستفادة من الطاقة الشمسية شبه المستمرة في المدار وإشعاع الحرارة مباشرة إلى فراغ الفضاء.
وفي هذا السياق، قال إيلون ماسك خلال مشاركته في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس الأسبوع الماضي إن بناء مراكز بيانات ذكاء اصطناعي تعمل بالطاقة الشمسية في الفضاء أمر بديهي وأقل تكلفة لتشغيل الذكاء الاصطناعي ستكون في الفضاء خلال عامين أو ثلاثة على الأكثر.
تفاصيل مشروع سبيس إكس
في ملفها المقدم إلى FCC، أوضحت سبيس إكس أن شبكة «مراكز البيانات المدارية» ستوفر قدرات حوسبية غير مسبوقة لدعم نماذج الذكاء الاصطناعي، مستندة إلى ميزتين أساسيتين، الطاقة الشمسية المستمرة وسهولة تبديد الحرارة في الفراغ، وهما تحدّيان رئيسيان تواجههما مراكز البيانات الأرضية.
وتسعى الشركة إلى الاستفادة من خبرتها الواسعة في إطلاق الأقمار الصناعية منخفضة المدار، حيث تضم شبكة Starlink حاليًا نحو 9500 قمر صناعي، ما يمنحها تفوقًا عمليًا في هذا المجال الناشئ.
اعتبارات أمنية ورد صيني
في المقابل، ترى بكين أن الهيمنة الأميركية على المدار الأرضي المنخفض تشكّل تحديًا أمنيًا. وقد حذّر باحثون مرتبطون بجيش التحرير الشعبي الصيني من أن أقمار Starlink قد تصبح جزءًا لا يتجزأ من منظومة القتال الأميركية.
وفي ديسمبر الماضي، تقدّمت جهات صينية بطلبات إلى الاتحاد الدولي للاتصالات (ITU) لحجز مدارات وترددات لنحو 200 ألف قمر صناعي خلال 14 عامًا، في مسعى واضح لموازنة النفوذ الذي تفرضه سبيس إكس في الفضاء.
تحديات التمويل والتقنية
ورغم التقدم السريع، لا تزال هناك عقبات كبيرة. فبينما تستعد سبيس إكس لاحتمال طرح عام أولي قد يرفع تقييمها إلى أكثر من تريليون دولار، لم تنجح الصين بعد في تنفيذ اختبار مكتمل لصاروخ قابل لإعادة الاستخدام، وهي ميزة خفّضت تكاليف الإطلاق لدى سبيس إكس بشكل جذري.
وتشير تقديرات دويتشه بنك إلى أن أولى التجارب المحدودة لمراكز البيانات المدارية قد تبدأ بين 2027 و2028، على أن تتشكل الشبكات واسعة النطاق خلال ثلاثينيات هذا القرن، في حال نجاح المراحل الأولى.
ماذا يعني ذلك عالميًا؟
يفتح هذا السباق فصلًا جديدًا في التنافس على الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية للطاقة والحوسبة، حيث لم يعد الصراع مقتصرًا على الأرض، بل يمتد إلى المدار. ومع دخول الفضاء إلى قلب الاقتصاد الرقمي، يبدو أن السيطرة على الحوسبة خارج الكوكب قد تصبح أحد محددات القوة التكنولوجية في العقود المقبلة.


