الخلفية:

الآلة التي أسقطت البورصة… هل تعود اليوم في شكل وكلاء ذكاء اصطناعي؟

لم يكن انهيار الأسواق المالية المفاجئ في عام 2010، المعروف باسم “الانهيار الخاطف” (Flash Crash). ، مجرد حادث تقني عابر، بل لحظة فاصلة كشفت حدود السيطرة البشرية عندما تُترك القرارات لأنظمة ذكية تعمل بسرعات تفوق قدرة الإنسان على الفهم أو التدخل.

ماذا حدث في “الانهيار الخاطف”؟

في السادس من مايو عام 2010 في تمام الساعة 2:32 مساءً بتوقيت نيويورك، بدأ مؤشر “داو جونز” في الهبوط بشكل جنوني. وفي غضون 36 دقيقة فقط، فقد المؤشر حوالي 1000 نقطة (نحو 9% من قيمته)، وهو ما قيمته تريليون دولار تقريباً، قبل أن يستعيد معظم تلك الخسائر في غضون دقائق أخرى.

 دور الخوارزميات

التحقيقات اللاحقة من هيئة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية (SEC) كشفت أن الخوارزميات حولت “عملية بيع كبيرة” إلى “كارثة”:

خوارزمية بيع وحيدة: بدأت القصة عندما استخدمت شركة استثمارية خوارزمية لبيع كمية كبيرة من العقود الآجلة (E-Mini S&P 500) بقيمة 4.1 مليار دولار.

تفاعل الخوارزميات الأخرى: بدأت خوارزميات التداول عالي التردد (التي تبيع وتشتري في أجزاء من الثانية) بالتفاعل مع هذا البيع الكبير. عندما رأت الخوارزميات الأسعار تنخفض، بدأت هي الأخرى بالبيع وبسرعة فائقة.

حلقة مفرغة (Feedback Loop): أدى بيع الخوارزميات إلى خفض السعر أكثر، مما حفز خوارزميات أخرى على البيع، وهكذا دخل السوق في “دوامة بيع” آلية دون تدخل بشري، مما تسبب في جفاف السيولة تماماً.

ولاحقاً في عام 2015، اتهمت السلطات متداولاً بريطانياً بالمساهمة في هذا الانهيار من منزله، حيث استخدم خوارزمية تقوم بوضع آلاف أوامر البيع الوهمية ثم إلغائها بسرعة (تقنية تسمى Spoofing)، لإيهام السوق بأن هناك عرضاً ضخماً، مما دفع الأسعار للانهيار.

إن ما حدث في 2010  وقبل معرفة المتسبب فيه، ترك سؤالًا مفتوحًا ،من كان المتحكم الحقيقي في تلك اللحظة؟

واليوم، يعود هذا السؤال بقوة، لكن في سياق أكثر اتساعًا وخطورة، مع صعود وكلاء الذكاء الاصطناعي القادرين على اتخاذ قرارات مستقلة والتفاعل مع بعضهم البعض دون تدخل بشري مباشر. ما كان محصورًا سابقًا في قاعات التداول والأسواق المالية، بات يمتد إلى البريد الإلكتروني، والهواتف، وإدارة الأنظمة، وحتى التواصل مع البشر أنفسهم.

في عالم المال، صُممت الخوارزميات لتحقيق أهداف واضحة، الشراء، والبيع، وتقليل المخاطر. الإنسان يضع القواعد، لكن التنفيذ يتم آليًا وبسرعة هائلة. ومع مرور الوقت، اكتشف المنظمون أن الخطر لا يكمن في خوارزمية واحدة، بل في التفاعل الجماعي بين خوارزميات متعددة، كل منها تتصرف بعقلانية وفق منطقها الداخلي، بينما ينتج عن تفاعلها سلوك غير متوقع على مستوى النظام ككل.

هذا الدرس التاريخي يتكرر اليوم مع وكلاء الذكاء الاصطناعي المستقلين. فهذه الأنظمة لا تكتفي بتنفيذ أوامر محددة، بل تفسر السياق، وتحدد الأولويات، وتتواصل مع وكلاء آخرين لتحقيق هدف ما. وعندما يبدأ وكيل ذكي في إرسال رسالة، أو إجراء اتصال، أو اتخاذ خطوة تنفيذية بناءً على تفاعل آلي مع نظام آخر، يصبح من الصعب تحديد لحظة المسؤولية البشرية الفعلية.

الفرق الجوهري أن الخوارزميات المالية كانت محصورة في نطاق اقتصادي، وتخضع تدريجيًا لقواطع أمان وتشريعات تنظيمية. أما وكلاء الذكاء الاصطناعي الجدد، فيتحركون في فضاء الحياة اليومية، حيث الخصوصية، والثقة، والعلاقات الإنسانية، وحيث الخطأ لا يعني خسارة مالية فقط، بل قد يعني انتهاك بيانات، أو قرارًا إداريًا خاطئًا، أو تفاعلًا اجتماعيًا غير محسوب.

في هذا السياق، يبدو أن العالم يعيد إنتاج التجربة نفسها، لكن من دون الاستفادة الكاملة من دروس الماضي. فكما تجاهلت الأسواق في البداية مخاطر تفاعل الخوارزميات، يجري اليوم التعامل مع وكلاء الذكاء الاصطناعي بوصفهم أدوات مساعدة، بينما يتسارع تحولهم إلى فاعلين مستقلين داخل الأنظمة.

بالنسبة للمنطقة العربية، يكتسب هذا النقاش أهمية مضاعفة. فمع تسارع التحول الرقمي، واعتماد المؤسسات الحكومية والخاصة على الأتمتة والذكاء الاصطناعي، يصبح السؤال عن الحوكمة والرقابة أكثر إلحاحًا. من يتحمل المسؤولية عندما يتخذ النظام قرارًا ذاتيًا؟ وأين يقف الإنسان في سلسلة اتخاذ القرار؟

أن الخطر الحقيقي لا يكمن في ذكاء الآلة بحد ذاته، بل في تركها تتفاعل وتتخذ قرارات على نطاق واسع دون أطر واضحة للمساءلة والتدخل. لقد علمنا انهيار الأسواق أن السرعة دون حوكمة قد تتحول إلى فوضى. واليوم، ومع وكلاء الذكاء الاصطناعي، يبدو أن العالم يقف مرة أخرى أمام الاختبار نفسه، لكن هذه المرة خارج شاشات البورصة، وفي قلب الحياة اليومية.

اقرأ أيضاً