الخلفية:

من التحكم عن بُعد إلى اقتصاد عالمي جديد للأجور… هل الاستقلالية مجرد واجهة تسويقية؟

عندما عرضت شركات تقنية كبرى روبوتات شبيهة بالبشر في معارض التكنولوجيا في مطلع العام الجاري، بدت الآلات وكأنها تتحرك وتتفاعل بصورة مستقلة. غير أن تحقيقًا حديثًا نشرته MIT Technology Review في 23 فبراير كشف أن جزءًا كبيرًا من هذه “الاستقلالية” يعتمد في الواقع على تدخل بشري مباشر أو غير مباشر.

التقرير يسلط الضوء على شبكة غير مرئية من المشغلين عن بُعد وجامعي البيانات الذين يعملون خلف الكواليس لتعليم الروبوتات، أو حتى التحكم بها في الوقت الحقيقي.

مشغل في غرفة المعيشة

شركة 1X، المطورة لروبوت Neo المنزلي، كانت من أكثر الشركات صراحة بشأن استخدام ما تسميه وضع الخبير، حيث يرتدي مشغلون عن بُعد نظارات واقع افتراضي ويتولون التحكم الكامل بالروبوت لتنفيذ المهام المنزلية المعقدة.

خلال عرض عملي، لم يتمكن الروبوت من إنجاز مهام بسيطة، مثل إحضار زجاجة ماء أو طي قطعة ملابس، دون إشراف بشري مباشر.

هذا النموذج يثير أسئلة تتعلق بالخصوصية، إذ يستطيع المشغلون رؤية ما تلتقطه كاميرات الروبوت داخل المنازل في الوقت الفعلي، رغم تأكيد الشركة وجود أدوات حماية مثل طمس الوجوه وتحديد مناطق الرؤية.

اقتصاد روبوتي جديد يتشكل

لكن البعد الأهم في التقرير لا يتعلق بالتقنية فقط، بل بالاقتصاد الكامن خلفها.

فالتحقيق يشير إلى أن الصناعة تعتمد بشكل متزايد على عمال في دول منخفضة الأجور لتوليد بيانات الحركة والتفاعل التي تحتاجها الروبوتات للتعلم.

في حالات موثقة، ارتدى عاملون بدلات التقاط حركة ونظارات واقع افتراضي لساعات طويلة يوميًا لتعليم روبوتات كيفية الحركة أو أداء مهام معينة. وأفاد بعضهم بإصابات جسدية وإجهاد نتيجة طبيعة العمل المتكرر.

النموذج يشبه إلى حد بعيد اقتصاد “العمل الخفي” في مجال الإشراف على المحتوى ووضع العلامات على البيانات في أنظمة الذكاء الاصطناعي، حيث يقوم عمال في دول نامية بأداء مهام دقيقة مقابل أجور منخفضة لدعم أنظمة تُباع في الأسواق المتقدمة.

تحكيم الأجور عبر الحدود

يشير التقرير إلى أن هذا النموذج قد يتحول إلى شكل جديد من “تحكيم الأجور العالمي”، حيث يتحكم عامل في دولة منخفضة الدخل بروبوت يعمل داخل منزل في دولة مرتفعة الدخل.

في اليابان، على سبيل المثال، يقوم مشغلون من الفلبين بمراقبة والتحكم بروبوتات في متاجر، مقابل رواتب شهرية تقل بكثير عن متوسط الأجور في الدولة المضيفة.

هذا التحول يحمل أبعادًا اقتصادية عميقة:

  • نقل العمل الجسدي عبر الحدود دون انتقال الأشخاص

  • خلق وظائف رقمية جديدة منخفضة الأجر

  • تقليل كلفة تشغيل الروبوتات عبر الاستعانة بعمالة خارجية

  • إعادة تعريف مفهوم “الأتمتة” ذاته

فالروبوت، في هذه الحالة، لا يُلغي الوظيفة بل يعيد توزيعها جغرافيًا.

لحظة مفصلية للصناعة

يأتي هذا التقرير في وقت تستعد فيه شركات مثل 1X وتسلا وغيرها لنشر روبوتات شبيهة بالبشر في المنازل والمصانع، مع تدفقات استثمارية بمليارات الدولارات.

غير أن كثيرًا من هذه الروبوتات لا تزال تعتمد على تدخل بشري كبير حتى في المهام الأساسية، ما يطرح تساؤلات حول مدى نضج التكنولوجيا فعليًا مقارنة بالصورة التسويقية.

اقرأ أيضاً