تتجه صناعة أشباه الموصلات العالمية نحو منعطف بالغ الخطورة، مع تضافر أزمتين متزامنتين، شح حاد في إمدادات غاز الهيليوم الحيوي لصناعة الرقائق، وارتفاع قياسي في أسعار ذاكرة الوصول العشوائي يُغذّيه الطلب المتصاعد على بنية الذكاء الاصطناعي التحتية. والنتيجة المباشرة، هواتف ذكية أغلى ثمناً وشحنات أقل في عام 2026.
الهيليوم في مهبّ الحرب
لا يعرف كثيرون أن غاز الهيليوم ركيزة لا غنى عنها في تصنيع الرقائق الإلكترونية، إذ يُستخدم في تبريد معدات الليثوغرافيا وتنقية بيئات الإنتاج الدقيقة. وقد كشفت الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران عن هشاشة بالغة في سلاسل إمداد هذا الغاز.
في الرابع من مارس، أعلنت قطر للطاقة حالة القوة القاهرة في منشأة مدينة رأس لفان الصناعية، عقب تضرّرها من ضربات مسيّرات إيرانية، ما أوقف إنتاج الهيليوم دون تحديد موعد لاستئنافه. ثم جاءت ضربات صاروخية لاحقة لتُلحق ما وصفته قطر للطاقة بأضرار “واسعة النطاق”، قد تستغرق سنوات لإصلاحها، مما أسفر عن خفض الصادرات السنوية من الهيليوم بنسبة 14%.
والخطورة هنا أن قطر تُمثّل نحو 30% من الإمداد العالمي للهيليوم وفق هيئة المساحة الجيولوجية الأمريكية، فضلاً عن أن مضيق هرمز، المنفذ البحري الوحيد لتصدير هذا الغاز من منطقة الخليج، بات معطلا فعلياً أمام الشحن التجاري الغربي.
الأسعار تتضاعف في أسابيع
ترجم السوق هذه الصدمة الفورية بارتفاع صاروخي في الأسعار؛ إذ قدّر بنك أوف أمريكا أن أسعار الهيليوم الفورية قفزت 40% في أسبوع واحد، في حين حذّر محللو AKAP Energy من أن الأسعار قد تبلغ أربعة أضعاف مستوياتها السابقة للحرب البالغة 500 دولار لكل ألف قدم مكعب، لترتفع إلى 2000 دولار. وفي بعض المناطق المتضررة من الشح، تجاوزت الأسعار الفورية فعلياً 1000 دولار لكل ألف قدم مكعب.
كوريا الجنوبية في مواجهة الخطر
تقع كوريا الجنوبية في مركز العاصفة، إذ حذّرت وكالة فيتش للتصنيف الائتماني من أن البلاد تستورد نحو 65% من احتياجاتها من الهيليوم من قطر، ما يضع عملاقَي الذاكرة العالميَّين سامسونج وSK Hynix في مواجهة مباشرة مع هذا الشح.
وقدّر فيل كورنبلوث، رئيس مؤسسة Kornbluth Helium Consulting، أن الأزمة الفعلية لا تبعد سوى “أسابيع قليلة”، محذراً من أن صناعة الرقائق ستصطدم بجدار الشح قريباً إن لم تتحرك الإمدادات البديلة.
جفاف الذاكرة يُفاقم الأزمة
حتى قبل اندلاع أزمة الهيليوم، كانت صناعة الهواتف الذكية تترنّح تحت وطأة نقص حاد في رقائق الذاكرة، تغذّيه الشهية الهائلة لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي. عمالقة التقنية مثل ميتا وألفابت ومايكروسوفت امتصّت كميات ضخمة من رقائق DRAM وذاكرة النطاق الترددي العالي، مُجفِّفةً المخزون المخصص للإلكترونيات الاستهلاكية.
وبلغت نسب الارتفاع في أسعار بعض مكوّنات الذاكرة ما بين 200% و300% خلال الأشهر الأخيرة.
الهواتف أغلى وأقل.. عالمياً
تتقاطع الأزمتان لتُنتجا مشهداً مقلقاً لمستهلكي الهواتف الذكية على مستوى العالم. توقّعت مؤسسة IDC تراجع شحنات الهواتف الذكية عالمياً بنسبة 12.9% خلال 2026 لتبلغ 1.12 مليار وحدة، وهو أحد أشد الانخفاضات حدةً في تاريخ الصناعة، فيما يُتوقع أن يرتفع متوسط سعر البيع بنسبة 14% ليبلغ مستوى قياسياً عند 523 دولاراً.
ولعلّ الأكثر إثارةً للقلق هو مصير شريحة الهواتف الاقتصادية دون 100 دولار، التي تمثّل 171 مليون جهاز حول العالم؛ إذ حذّرت المحللة نبيلة بوبال من IDC من أنها قد تغدو “غير قابلة للاستمرار بصورة دائمة”.
الأسواق الناشئة تدفع الثمن
تستأثر الأسواق الناشئة بالنصيب الأكبر من التداعيات، ففي الهند، أحد أكبر أسواق الهواتف الذكية في العالم، خفّضت مؤسسات البحث توقعاتها للشحنات مرات عدة خلال أشهر قليلة. تتوقع IDC الآن انخفاض الشحنات إلى 132 مليون وحدة في 2026، مقارنةً بـ152 مليوناً عام 2025. وفي هذا السياق، أطلقت سامسونج سلسلة Galaxy S26 بزيادة سعرية تصل إلى 10,000 روبية مقارنةً بالجيل السابق.
التأثير الاقتصادي: ما الذي يعنيه ذلك فعلياً؟
تتشعّب الانعكاسات الاقتصادية لهذه الأزمة المزدوجة على عدة مستويات:
على مستوى الشركات: تتعرّض سامسونج وSK Hynix لضغوط تكلفة مزدوجة، ارتفاع كلفة الهيليوم اللازم للإنتاج من جهة، ومحدودية الإيرادات جراء انكماش السوق من جهة أخرى ، مما يُهدد هوامش الربحية ويدفع نحو إعادة النظر في خطط التوسع.
على مستوى الأسواق الناشئة: تُعيد هذه الأزمة رسم خريطة الشمول الرقمي؛ فتراجع الهواتف الاقتصادية يعني أن الملايين قد يجدون أنفسهم أمام حاجز سعري يحول دون اقتناء أجهزتهم الأولى.
على مستوى سلاسل التوريد: تُسرّع الأزمة مساعي التنويع الجغرافي لمصادر الهيليوم، مع تزايد الاهتمام بالمصادر الأمريكية والروسية والجزائرية، وإن كانت طاقتها الاستيعابية لا تُغطي الفجوة في المدى القريب.
على المستوى الاستراتيجي: تُعيد الأزمة طرح التساؤلات الجوهرية حول مدى تمركز الصناعات الحيوية في مناطق جيوسياسية هشة، وتُعجّل الدفع نحو إعادة تموضع الصناعة على الصعيد العالمي.
المصادر: IDC، فيتش للتصنيف، Kornbluth Helium Consulting، قطر للطاقة، بنك أوف أمريكا


