تشهد الإمارات حالياً واحدة من أكبر التحولات الصناعية في تاريخها مع انطلاق فعاليات اصنع في الإمارات 2026 (Make it in the Emirates 2026) في أبوظبي، حيث تحولت الفعالية من مجرد معرض صناعي إلى منصة استراتيجية تعيد تشكيل اقتصاد الدولة وسوق العمل وسلاسل الإمداد على مستوى إقليمي وعالمي، في مشهد يعكس بوضوح أن الدولة لا تكتفي بمواكبة المستقبل بل تسعى إلى قيادته فعلياً.
الحدث، الذي يُقام في مركز أبوظبي الوطني للمعارض، يجمع أكثر من 1,245 شركة ويستقطب نحو 120,000 زائر، في أكبر نسخة حتى الآن، مع مشاركة حكومات وشركات ومستثمرين وخبراء من مختلف أنحاء العالم، ما يعكس حجم الرهان على الصناعة المحلية كركيزة للنمو الاقتصادي المستقبلي، ويحوّل المكان إلى ما يشبه خريطة حية لمستقبل الاقتصاد الإماراتي.
تحول استراتيجي نحو التصنيع المحلي
الرسالة الأساسية للحدث واضحة: تقليل الاعتماد على الواردات وبناء اقتصاد قائم على الإنتاج المحلي والتكنولوجيا المتقدمة. ضمن هذا الإطار، تستهدف الدولة توطين تصنيع أكثر من 5,000 منتج داخل الإمارات، وهو رقم لا يمثل مجرد هدف صناعي بل يعكس إعادة تصميم كاملة لسلاسل التوريد داخل الدولة.
هذا التوجه مدعوم ببرامج حكومية مثل برنامج القيمة الوطنية (In-Country Value Program)، الذي لا يربط فقط بين الشركات والمصنعين، بل يعيد توجيه الإنفاق الحكومي ليصب داخل الاقتصاد المحلي، ما يعني أن كل مشروع كبير يتحول إلى فرصة مباشرة لنمو الصناعة الوطنية.
أرقام تكشف حجم التحول الحقيقي
الأرقام المرتبطة بالحدث تكشف أن ما يحدث ليس رؤية مستقبلية فقط، بل واقع اقتصادي متحقق. مساهمة القطاع الصناعي وصلت إلى نحو 200 مليار درهم، بزيادة تقارب 70% منذ 2021، بينما بلغت الصادرات الصناعية نحو 262 مليار درهم، منها 92 مليار درهم في الصناعات المتقدمة.
وفي سياق أوسع، يواصل الاقتصاد غير النفطي في الإمارات تسجيل نمو قوي، حيث تجاوزت مساهمته 70% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2026، مع نمو سنوي مستمر مدفوع بقطاعات مثل الصناعة، التكنولوجيا، التجارة، والخدمات اللوجستية، ما يعكس نجاح الدولة في تقليل الاعتماد على النفط وتحويل الاقتصاد إلى نموذج أكثر تنوعاً واستدامة.
كما تم الإعلان عن فرص شراء صناعية تصل إلى 180 مليار درهم خلال العقد القادم، وهو رقم ضخم يمثل طلباً مضموناً للشركات، ويخلق بيئة استثمارية شبه مضمونة العائد.
وفي الوقت نفسه، كشفت أدنوك (ADNOC) عن مشاريع بقيمة تتجاوز 200 مليار درهم خلال العامين المقبلين، مع إطلاق مبادرة Local+ التي تعيد توجيه سلاسل التوريد نحو الداخل، ما يحوّل الشركات المحلية إلى جزء أساسي من المشاريع الوطنية الكبرى.
EDGE والتكنولوجيا العسكرية تدخل المشهد الصناعي
من أبرز الحضور في هذه النسخة هو مجموعة إيدج (EDGE)، التي تمثل أحد أعمدة الصناعة الدفاعية والتكنولوجية المتقدمة في الإمارات، حيث تعرض أنظمة تشمل الطائرات بدون طيار، أنظمة الحرب الإلكترونية، الرادارات، والأنظمة الذاتية.
وجود EDGE داخل الحدث يعكس تحولاً مهماً، حيث لم تعد الصناعات الدفاعية معزولة، بل أصبحت جزءاً من الاقتصاد الصناعي الوطني، مع تركيز واضح على نقل التكنولوجيا، التصنيع المحلي، وتطوير قدرات سيادية.
هذه الأنظمة ليست مجرد معدات عسكرية، بل منصات تعتمد على الذكاء الاصطناعي، تحليل البيانات، والأنظمة المستقلة، ما يعني أن القطاع الدفاعي أصبح محركاً رئيسياً للابتكار الصناعي، وليس مجرد مستهلك له.
التكنولوجيا في قلب الصناعة الجديدة
ما يميز هذه النسخة هو التركيز الكبير على التكنولوجيا المتقدمة، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي، الروبوتات، الأنظمة الذاتية، والتصنيع الذكي، حيث لم يعد المصنع مجرد خط إنتاج، بل نظام ذكي قادر على اتخاذ القرار وتحسين نفسه.
الحدث يعرض نموذجاً جديداً للصناعة يقوم على دمج الطاقة، والبنية التحتية، والذكاء الاصطناعي، وهو ما يجعل المصانع أكثر كفاءة، وأقل تكلفة، وأكثر قدرة على التكيف مع التغيرات العالمية.
سلاسل الإمداد والسيادة الاقتصادية
أحد أهم أهداف الحدث هو تعزيز مرونة سلاسل الإمداد، خاصة بعد الأزمات العالمية التي كشفت هشاشة الاعتماد على الخارج.
الإمارات لا تسعى إلى الانغلاق، بل إلى بناء نموذج مزدوج يجمع بين الانفتاح العالمي والسيطرة المحلية، حيث تمتلك شبكة تصل إلى أكثر من 250 ميناء عالمي، وفي الوقت نفسه تبني قدراتها الداخلية لتقليل المخاطر.
هذا النموذج يجعل الدولة قادرة على التعامل مع الأزمات العالمية دون أن تتأثر بشكل كبير، وهو ما يُعرف اليوم بـ السيادة الاقتصادية الحديثة.
فرص العمل وتحول سوق الوظائف
الحدث لا يركز فقط على الشركات، بل على الأفراد أيضاً. مع توسع الصناعة، تظهر وظائف جديدة في مجالات مثل الهندسة المتقدمة، الذكاء الاصطناعي، إدارة الأنظمة الصناعية، وسلاسل الإمداد الذكية.
الشركات الصغيرة والمتوسطة تمثل نحو 61% من المشاركين، ما يعكس أن الاقتصاد الجديد ليس حكراً على الشركات الكبرى، بل يعتمد بشكل كبير على رواد الأعمال والمشاريع الناشئة.
هذا التحول يعني أن الوظائف التقليدية ستتغير، لكن في المقابل ستظهر وظائف أكثر قيمة، تعتمد على المهارات التقنية والتحليلية.
استثمارات ضخمة تعيد تشكيل الاقتصاد
ضمن هذا التوجه، أعلنت الحكومة عن إنشاء صندوق وطني للمرونة الصناعية بقيمة 1 مليار درهم، وهو ليس مجرد دعم مالي، بل أداة استراتيجية لضمان استمرارية الصناعات الحيوية.
كما تم توسيع برامج التمويل، وتطوير مؤشرات مثل مؤشر التحول التكنولوجي الصناعي، ما يساعد الشركات على قياس تقدمها في تبني التكنولوجيا.
المنافسة العالمية: نموذج إماراتي مختلف
الإمارات تدخل سباقاً عالمياً مع دول صناعية كبرى مثل الصين وألمانيا وكوريا الجنوبية، لكنها لا تحاول تقليدها، بل تبني نموذجاً مختلفاً يقوم على السرعة، المرونة، والاعتماد على التكنولوجيا بدلاً من العمالة الرخيصة.
هذا النموذج قد يمنحها ميزة تنافسية فريدة، خاصة في القطاعات التي تعتمد على الابتكار وليس الحجم.
التحديات الواقعية
رغم الطموح الكبير، هناك تحديات حقيقية، منها تكلفة الإنتاج المحلية، المنافسة العالمية، والحاجة إلى تطوير مهارات الكوادر البشرية.
كما أن النجاح يتطلب توازناً دقيقاً بين الانفتاح الاقتصادي وحماية الصناعة المحلية.
مستقبل يُبنى الآن
اصنع في الإمارات 2026 ليس مجرد حدث يمكن زيارته، بل تجربة تعطي لمحة مباشرة عن مستقبل الاقتصاد. كل جناح، كل شركة، وكل تقنية معروضة تمثل قطعة من هذا المستقبل.
في النهاية، ما يحدث في أبوظبي اليوم ليس معرضاً، بل إعادة كتابة لدور الصناعة في القرن الحادي والعشرين، حيث تتحول الإمارات من مستهلك للتكنولوجيا إلى منتج ومصدر لها.
المصدر: وام


