الخلفية:

ماسك: كنت”أحمقاً” عندما قدمت تمويلاً مجانياً لـOpen AI

إلون ماسك وسام ألتمان

قال إيلون ماسك (Elon Musk) أمام هيئة محلفين في محكمة فيدرالية بمدينة أوكلاند في ولاية كاليفورنيا إنه كان «أحمقاً» عندما قدّم تمويلاً مبكراً لشركة أوبن إيه آي (OpenAI)، معتبراً أنه دعمها على أساس أنها ستبقى منظمة غير ربحية تعمل لصالح البشرية، قبل أن تتحول لاحقاً إلى واحدة من أعلى شركات الذكاء الاصطناعي قيمة في العالم.

القصة لا تتعلق فقط بخلاف شخصي بين ماسك وسام ألتمان (Sam Altman)، بل بسؤال أكبر بكثير: هل يمكن لشركة بدأت كمنظمة غير ربحية أن تتحول إلى قوة تجارية ضخمة تقود سباق الذكاء الاصطناعي، بينما يبقى مؤسسوها وداعموها الأوائل ملتزمين بنفس الوعود الأخلاقية القديمة؟

ما الذي قاله ماسك في المحكمة

بحسب تقارير نقلت وقائع المحاكمة، قال ماسك إنّه قدّم نحو 38 مليون دولار كتمويل شبه مجاني لمساعدة OpenAI على الانطلاق، لأنه كان يعتقد أن المشروع سيظل منظمة غير ربحية. وقال في شهادته: «كنت أحمقاً قدّم لهم تمويلاً مجانياً لإنشاء شركة ناشئة»، مضيفاً أن هذه الأموال استُخدمت لاحقاً لبناء كيان ربحي وصلت قيمته، وفق ما قال، إلى مئات المليارات من الدولارات.

ماسك يرى أن ما حدث يمثل ما وصفه بفكرة «الاستدراج والتبديل»، أي أن المشروع بدأ بخطاب خيري وغير ربحي لجذب التمويل والثقة، ثم تغيرت بنيته لاحقاً إلى نموذج تجاري. من وجهة نظره، كان الهدف الأصلي هو تطوير الذكاء الاصطناعي بطريقة آمنة ومفتوحة، لا بناء شركة ذات تقييم ضخم ومصالح تجارية مع شركات تكنولوجيا كبرى.

رسائل 2017 وجذور الخلاف

خلال المحاكمة، عرض محامو ماسك رسائل بريد إلكتروني تعود إلى عام 2017 بينه وبين سام ألتمان وجريج بروكمان (Greg Brockman)، وتركزت حول نقاشات مبكرة بشأن إنشاء كيان ربحي. إحدى النقاط التي برزت في تلك الرسائل كانت مقترحاً لتوزيع الملكية كان سيمنح ماسك حصة تزيد قليلاً على نصف الشركة، قبل أن يرفض موظفون داخل OpenAI هذا الاتجاه.

بعد ذلك، كتب ماسك في سبتمبر 2017 ما معناه أنه اكتفى من النقاش، وأن على الفريق إما أن يذهب ويفعل شيئاً بنفسه أو يواصل مع OpenAI كمنظمة غير ربحية. ورد ألتمان حينها بأنه ما زال متحمساً لهيكل المنظمة غير الربحية. هذه الرسائل أصبحت اليوم جزءاً من جوهر القضية، لأنها تطرح سؤالاً حساساً: هل كان التحول الربحي مطروحاً منذ البداية، أم جاء لاحقاً نتيجة الحاجة إلى مليارات الدولارات لبناء نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة؟

لماذا دخلت Microsoft قلب القضية

بعد خروج ماسك من مجلس إدارة OpenAI عام 2018، حصلت الشركة على استثمار بقيمة مليار دولار من مايكروسوفت (Microsoft) في عام 2019، ضمن نموذج أرباح محدودة. لاحقاً، تحولت الشراكة بين الطرفين إلى واحدة من أهم التحالفات في قطاع التكنولوجيا، حيث وفرت مايكروسوفت البنية السحابية والتمويل، بينما منحت OpenAI الشركة موقعاً متقدماً في سباق الذكاء الاصطناعي.

ماسك قال في المحكمة إنّه لم تكن هناك دعوى في ذلك الوقت، لأن الشركة لم تكن قد انتهكت بعد، بحسب رأيه، مبادئ المنظمة غير الربحية. لكنه أشار إلى أن ظهور تقييمات ضخمة مثل 20 مليار دولار في أواخر 2022 غيّر نظرته، لأنه رأى أن OpenAI أصبحت من الناحية العملية شركة ربحية.

الذكاء الاصطناعي العام وبند Microsoft المثير للجدل

من النقاط الحساسة في القضية بند سابق داخل اتفاق Microsoft وOpenAI يتعلق بما يسمى الذكاء الاصطناعي العام (AGI)، وهو نوع من الذكاء يفترض أن يضاهي أو يتجاوز قدرات الإنسان في نطاق واسع من المهام.

وفق التقارير، كان هناك بند ينص على انتهاء أو تغيير بعض حقوق الكيان الربحي إذا تحقق الذكاء الاصطناعي العام، لكن هذا البند أُلغي أو عُدّل في اتفاق جديد بين الطرفين قبل المحاكمة. هذه النقطة أثارت اهتمام ماسك، الذي سأل هيئة المحلفين بما معناه: هل يريد الناس فعلاً أن تسيطر Microsoft على الذكاء الفائق الرقمي؟

هذا السؤال يلخص جوهر المخاوف الأوسع. فالقضية ليست فقط عن 38 مليون دولار أو عن هيكل قانوني، بل عن من يملك السيطرة على التكنولوجيا التي قد تصبح أهم من الإنترنت نفسه.

OpenAI ترد: التأخر والمنافسة والمهمة الأصلية

من جانبها، تقول OpenAI إن ماسك انتظر وقتاً طويلاً قبل رفع دعواه، وإن مطالبه سقطت بالتقادم. كما تشير الشركة إلى أن ماسك يدير اليوم شركة منافسة هي إكس إيه آي (xAI)، ما يجعل دوافعه موضع نقاش قانوني وتجاري.

التقارير الأخيرة أشارت أيضاً إلى أن فريق OpenAI القانوني يحاول تقديم القضية على أنها ليست فقط نزاعاً حول مبادئ قديمة، بل صراعاً بين منافسين في سوق الذكاء الاصطناعي. في المقابل، يحاول ماسك تصوير القضية باعتبارها دفاعاً عن الوعد الأصلي الذي قامت عليه الشركة.

لماذا تهم هذه القضية كل صناعة الذكاء الاصطناعي

إذا انتصر ماسك أو نجح في فرض قيود على OpenAI، فقد يفتح ذلك الباب أمام إعادة النظر في كيفية بناء شركات الذكاء الاصطناعي التي تبدأ بمهمات عامة أو خيرية ثم تحتاج لاحقاً إلى رؤوس أموال ضخمة. وإذا انتصرت OpenAI، فقد يثبت ذلك أن التحول إلى نموذج ربحي كان ضرورة عملية في قطاع يحتاج إلى مراكز بيانات ورقائق وحوسبة بمليارات الدولارات.

القضية تكشف تناقضاً عميقاً داخل صناعة الذكاء الاصطناعي. الجميع يريد أن تكون النماذج آمنة وتخدم البشرية، لكن بناء هذه النماذج يتطلب أموالاً هائلة، وهذه الأموال غالباً تأتي من شركات تبحث عن عائد وربح وسيطرة سوقية.

الأثر على Microsoft والمستثمرين والسوق

بالنسبة إلى Microsoft، القضية حساسة لأنها تربطها قانونياً وأخلاقياً بمسار OpenAI. أي حكم يضع قيوداً على هيكل الشركة أو شراكتها قد يؤثر على واحدة من أهم رهانات مايكروسوفت في العقد الحالي.

بالنسبة إلى المستثمرين، القضية قد تحدد قواعد جديدة لتمويل شركات الذكاء الاصطناعي المتقدمة. هل يمكن للمستثمرين ضخ عشرات المليارات في شركة ذات مهمة غير ربحية؟ وكيف يتم توزيع الأرباح؟ ومن يملك القرار إذا تعارضت السلامة مع العائد المالي؟

معركة على ذاكرة OpenAI ومستقبلها

ماسك يحاول أن يقول إن OpenAI نسيت سبب وجودها الأصلي. أما الشركة فتقول إن العالم تغيّر، وإن بناء ذكاء اصطناعي متقدم يحتاج إلى نموذج قادر على جذب التمويل والحوسبة والمواهب.

في النهاية، هذه القضية ليست مجرد محاكمة بين أسماء كبيرة في وادي السيليكون. إنها اختبار لنموذج كامل: هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يبقى مشروعاً لخدمة البشرية عندما يصبح في الوقت نفسه أحد أكبر الأسواق التجارية في التاريخ؟

المصدر: Financial Times

اقرأ أيضاً