تدرس كوريا الجنوبية نشر روبوتات مدعومة بالذكاء الاصطناعي على خطوط المواجهة العسكرية، في خطوة تعكس كيف بدأت الجيوش الحديثة تتحول تدريجياً من الاعتماد على الجنود البشر إلى الأنظمة الذاتية والروبوتات القتالية، وسط أزمة ديموغرافية تهدد مستقبل الجيش الكوري الجنوبي.
المشروع الذي تناقشه سيول مع شركة هيونداي (Hyundai) لا يتعلق بروبوتات تجريبية داخل المختبرات، بل بخطة حقيقية لإدخال أنظمة غير مأهولة إلى الخدمة العسكرية، خصوصاً على الحدود شديدة التوتر مع كوريا الشمالية.
وبحسب وزارة الدفاع الكورية الجنوبية، فإن المناقشات الجارية تهدف إلى بناء ما وصفته الحكومة بـ «قوة عالية التقنية قائمة على العلوم»، في وقت يتراجع فيه عدد الجنود بوتيرة مقلقة بسبب انخفاض معدلات المواليد إلى مستويات تاريخية.
الجيش الكوري يفقد عشرات الآلاف من الجنود
خلال السنوات الست الماضية، انخفض عدد القوات النظامية في كوريا الجنوبية بنحو 20% ليصل إلى حوالي 450 ألف جندي فقط، مقارنة بأكثر من نصف مليون سابقاً.
وتتوقع وزارة الدفاع أن يتراجع العدد إلى نحو 350 ألف جندي بحلول عام 2040، وهو رقم يثير قلقاً كبيراً داخل المؤسسة العسكرية، خاصة أن كوريا الجنوبية ما تزال technically في حالة حرب مع كوريا الشمالية منذ اتفاق الهدنة عام 1953.
هذا الانخفاض لا يعني فقط عدداً أقل من الجنود، بل يعني ضغطاً على أنظمة الحراسة، الانتشار الحدودي، الخدمات اللوجستية، والمراقبة المستمرة للمنطقة منزوعة السلاح التي تعتبر واحدة من أكثر الحدود توتراً وتسليحاً في العالم.
ما الروبوتات التي تريدها سيول؟
الجيش الكوري لا يتحدث حالياً عن روبوتات هجومية تحمل أسلحة ثقيلة مثل أفلام الخيال العلمي، بل عن أنظمة دعم ومراقبة واستطلاع يمكنها تقليل الاعتماد على العنصر البشري ورفع كفاءة العمليات العسكرية على الحدود. الفكرة الأساسية ليست استبدال الجنود بالكامل، وإنما تقليل المخاطر البشرية في المهام الخطرة والمتكررة، خصوصاً في المناطق الحساسة القريبة من كوريا الشمالية.
أبرز الأنظمة المطروحة هو روبوت سبوت (Spot) الشهير من شركة Boston Dynamics، وهو روبوت رباعي الأرجل قادر على الحركة فوق التضاريس الوعرة وصعود السلالم والعمل في ظروف صعبة يصعب أحياناً على البشر التحرك فيها بسهولة. الروبوت مزود بكاميرات عالية الدقة ومستشعرات حرارية وأنظمة رؤية وتحليل متقدمة تسمح له بتنفيذ مهام مراقبة الحدود والاستطلاع داخل المناطق الخطرة ونقل المعدات وتفقد الأنفاق أو المواقع المشبوهة وحتى الدخول إلى المناطق الملوثة أو المعرضة لإطلاق النار.
وتدرس سيول أيضاً استخدام روبوت MobED رباعي العجلات، وهو منصة متحركة صُممت لنقل المعدات الثقيلة ودعم العمليات اللوجستية في البيئات المعقدة، إضافة إلى أنظمة هيكل خارجي قابلة للارتداء مثل X-ble Shoulder، وهي تقنيات تساعد الجنود على حمل أوزان أكبر لفترات أطول مع تقليل الإجهاد والإصابات الجسدية. هذه الأنظمة تعكس كيف بدأت الجيوش الحديثة تنظر إلى الروبوتات ليس فقط كآلات مستقلة، بل كوسيلة لتعزيز قدرات الجندي البشري نفسه وتحويله إلى جزء من منظومة قتالية مدعومة بالذكاء الاصطناعي.
لماذا هيونداي؟
بالنسبة إلى شركة هيونداي، فإن الدخول إلى المجال العسكري يمثل تحولاً ضخماً.
الشركة لا تريد أن تبقى مجرد مصنع سيارات، بل تسعى منذ سنوات للتحول إلى شركة تكنولوجيا متقدمة تعمل في مجالات الروبوتات، الذكاء الاصطناعي، والتنقل الذكي.
استحواذ هيونداي على حصة مسيطرة في Boston Dynamics قبل سنوات كان جزءاً من هذا التحول، واليوم قد تجد الشركة نفسها داخل واحد من أكثر المشاريع العسكرية والتكنولوجية حساسية في آسيا.
الحرب الحديثة لم تعد بشرية بالكامل
ما يحدث في كوريا الجنوبية ليس حالة منفصلة.
الحرب في أوكرانيا، والتطورات في الشرق الأوسط، وصعود الذكاء الاصطناعي العسكري، كلها دفعت الجيوش حول العالم لإعادة التفكير في شكل الجندي المستقبلي.
في أوكرانيا مثلاً، أصبحت الطائرات المسيّرة تؤدي أدواراً كانت تنفذها وحدات كاملة من الجنود قبل سنوات. وفي الولايات المتحدة والصين، تتسارع برامج الروبوتات القتالية وأنظمة الاستطلاع الذاتية.
لكن الحالة الكورية مختلفة قليلاً، لأن الدافع ليس فقط التطور التكنولوجي، بل أيضاً أزمة سكانية حقيقية.
كوريا الجنوبية تمتلك واحداً من أدنى معدلات الولادة في العالم، وهو ما يهدد قطاعات الاقتصاد والجيش معاً.
هل نحن أمام جيش روبوتي فعلاً؟
حتى الآن، لا توجد مؤشرات على أن سيول ستستبدل الجنود بالكامل بروبوتات.
الفكرة الحالية تقوم على نموذج الدمج بين الإنسان والآلة، حيث تتولى الروبوتات المهام الخطرة أو المتكررة أو اللوجستية، بينما يبقى القرار القتالي النهائي بيد البشر.
لكن مع التطور السريع للذكاء الاصطناعي، يرى بعض المحللين أن هذا الخط الفاصل قد يصبح أقل وضوحاً خلال العقد المقبل.
فاليوم، تستطيع الأنظمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي تحليل الفيديو، التعرف على الأهداف، تتبع الحركة، واتخاذ قرارات ملاحية بشكل شبه مستقل.
ومع دمج هذه القدرات مع الروبوتات الميدانية، قد يتحول الجندي البشري تدريجياً إلى مشغل أو مراقب أكثر منه مقاتلاً مباشراً.
التحديات والمخاطر
رغم الحماس الكبير، فإن تحويل الروبوتات إلى جزء من الجيش يفتح أيضاً أسئلة معقدة.
ماذا يحدث إذا تعرض النظام للاختراق الإلكتروني؟
كيف يمكن منع الروبوتات من اتخاذ قرارات خاطئة؟
هل يمكن الاعتماد عليها في الطقس القاسي أو أثناء الحرب الإلكترونية؟
ومن يتحمل المسؤولية إذا تسبب نظام ذاتي في حادث مميت؟
هذه الأسئلة أصبحت جزءاً أساسياً من النقاش العالمي حول مستقبل الحروب والذكاء الاصطناعي.
كما أن تشغيل مثل هذه الأنظمة ليس رخيصاً. روبوتات مثل Spot قد تتجاوز أسعارها عشرات آلاف الدولارات للوحدة الواحدة، بينما تحتاج الجيوش أيضاً إلى بنية تحتية للاتصالات، أنظمة تحكم، بطاريات، وصيانة مستمرة.
الحدود الكورية تتحول إلى مختبر للمستقبل
إذا مضت الخطة الكورية الجنوبية إلى الأمام، فقد تصبح المنطقة منزوعة السلاح بين الكوريتين واحدة من أولى المناطق في العالم التي تشهد انتشاراً واسعاً لروبوتات عسكرية مدعومة بالذكاء الاصطناعي.
وهذا يعني أن العالم قد يقترب فعلياً من مرحلة تتحول فيها الحدود العسكرية من جنود وحراس إلى شبكات ذكية من الروبوتات والكاميرات والمستشعرات الذاتية.
المفارقة أن التكنولوجيا التي طُورت أساساً للسيارات ذاتية القيادة والمصانع الذكية بدأت الآن تتحول تدريجياً إلى أدوات عسكرية.
وفي النهاية، ما يحدث في كوريا الجنوبية لا يتعلق فقط بنقص الجنود، بل يكشف كيف أن الجيوش بدأت تعيد تعريف معنى القوة العسكرية في عصر الذكاء الاصطناعي.
المصدر: Bloomberg


