يدرس حلف الناتو (NATO) واليابان إنشاء نظام تعاون فضائي جديد يسمح بالاستخدام المشترك لمواقع إطلاق الأقمار الاصطناعية، في خطوة تعكس كيف تحول الفضاء رسمياً إلى ساحة صراع عسكري واستراتيجي رئيسية بين القوى الكبرى، وليس مجرد منصة للاتصالات أو الاستكشاف العلمي.
بحسب صحيفة نيكاي (Nikkei) اليابانية، فإن الحلف يناقش ضم اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا ونيوزيلندا إلى مشروع يحمل اسم “ستارليفت” (Starlift)، وهو برنامج يهدف إلى بناء شبكة دولية قادرة على إطلاق أقمار اصطناعية بديلة بسرعة في حال تعرض الأقمار الحالية للتشويش أو التدمير أو الأعطال التقنية.
المشروع يمثل تحولاً مهماً في التفكير العسكري الغربي. لعقود طويلة، كانت الجيوش تنظر إلى الفضاء كأداة دعم للعمليات العسكرية، لكن الحروب الحديثة أثبتت أن الفضاء أصبح جزءاً أساسياً من المعركة نفسها. أي جيش يفقد أقمار الاتصالات والمراقبة والإنذار المبكر قد يجد نفسه أعمى تقريباً خلال ساعات.
لماذا أصبح الفضاء ساحة الحرب القادمة؟
التحرك الجديد يأتي وسط قلق متزايد داخل الغرب من أن أي مواجهة عسكرية مستقبلية مع الصين أو روسيا قد تبدأ من الفضاء قبل الأرض، عبر استهداف الأقمار الاصطناعية التي تعتمد عليها الجيوش الحديثة في الاتصالات وتوجيه الصواريخ والمراقبة والإنذار المبكر.
اليوم، تعتمد الجيوش الغربية بشكل شبه كامل على البنية الفضائية في تشغيل أنظمة GPS، والطائرات المسيّرة، والصواريخ الذكية، وشبكات الاتصالات المشفرة، وحتى التنسيق اللحظي بين القوات البرية والجوية والبحرية. كما تعتمد الأنظمة الدفاعية الحديثة على الأقمار الاصطناعية لرصد إطلاق الصواريخ الباليستية والفرط صوتية خلال ثوانٍ من انطلاقها.
هذا يعني أن تدمير أو تعطيل عدد محدود من الأقمار الاصطناعية قد يؤدي إلى شلل جزئي أو كامل في قدرات أي جيش متطور. ولهذا السبب، بدأ الناتو بالانتقال من فكرة “حماية الأقمار الاصطناعية” فقط إلى مفهوم أكثر تعقيداً يعرف باسم “المرونة الفضائية”، أي القدرة على تعويض أي خسارة بسرعة كبيرة قبل انهيار الشبكات العسكرية.
الخبراء العسكريون الغربيون يرون أن الحرب المقبلة بين القوى الكبرى لن تبدأ فقط بالصواريخ أو الهجمات السيبرانية، بل بمحاولات لضرب “العيون والأعصاب” الخاصة بالخصم. الأقمار الاصطناعية أصبحت فعلياً البنية العصبية للحروب الحديثة.
كيف يعمل مشروع ستارليفت عملياً؟
مشروع Starlift الذي أطلق عام 2024 بمشاركة فرنسا وألمانيا وإيطاليا يقوم على فكرة استراتيجية شديدة الأهمية. إذا تعرض قمر اصطناعي تابع لدولة معينة لهجوم أو تعطل، تستطيع دولة أخرى داخل الشبكة استخدام منصاتها لإطلاق قمر بديل خلال أيام أو حتى ساعات، بدلاً من الانتظار شهوراً أو سنوات لإعادة بناء القدرة المفقودة.
عملياً، الناتو يحاول بناء ما يشبه “النسخة الاحتياطية الفضائية” للجيوش الغربية.
الفكرة هنا لا تعتمد فقط على وجود أقمار بديلة، بل على وجود سلسلة تشغيل كاملة جاهزة مسبقاً. هذا يشمل منصات إطلاق متاحة دائماً، وصواريخ جاهزة، وأقماراً مخزنة أو قيد التحضير، وشبكات اتصالات ومراكز تحكم قادرة على دمج القمر الجديد بسرعة داخل الشبكة العسكرية.
المشروع لا يقتصر على الأقمار العسكرية فقط، بل قد يشمل أيضاً الأقمار التجارية، وهو أمر بالغ الأهمية بعد الحرب في أوكرانيا التي أثبتت أن شركات خاصة مثل سبيس إكس (SpaceX) وشبكة ستارلينك (Starlink) أصبحت جزءاً مباشراً من البنية العسكرية الحديثة.
الاتصالات الفضائية التجارية تحولت في أوكرانيا إلى عنصر حاسم في تشغيل الطائرات المسيّرة ونقل البيانات والاتصالات الميدانية، لدرجة أن كثيراً من الخبراء يعتبرون الحرب الأوكرانية أول حرب تعتمد بهذا الحجم على البنية الفضائية التجارية.
السبب العسكري الحقيقي وراء المشروع
السبب العسكري الحقيقي خلف هذا المشروع يرتبط بما يسمى عسكرياً “شلل القيادة والسيطرة”.
إذا نجحت أي دولة في تعطيل الأقمار الاصطناعية الغربية، فقد تفقد الجيوش القدرة على تحديد المواقع بدقة، وتوجيه الصواريخ، وتشغيل المسيّرات بعيدة المدى، ورصد إطلاق الصواريخ الباليستية، وإدارة العمليات المشتركة.
بمعنى آخر، الفضاء أصبح فعلياً الجهاز العصبي للجيوش الحديثة.
حتى حاملات الطائرات والغواصات والقاذفات الاستراتيجية أصبحت مرتبطة بالأقمار الاصطناعية في الاتصالات ونقل البيانات وتحديد الأهداف. لذلك، فإن أي حرب فضائية ناجحة قد تؤدي إلى إرباك ضخم حتى لو بقيت القوات التقليدية سليمة على الأرض.
الناتو يخشى أيضاً من سيناريو أكثر خطورة، وهو هجوم متزامن يجمع بين التشويش الفضائي والهجمات السيبرانية وضرب البنية الأرضية لمحطات التحكم. هذا النوع من الهجمات قد يؤدي إلى تعطيل شبكات كاملة خلال دقائق.
أسلحة مضادة للأقمار الاصطناعية تثير قلق الغرب
الولايات المتحدة والناتو يراقبان منذ سنوات تطور برامج الأسلحة المضادة للأقمار الاصطناعية لدى الصين وروسيا.
الصين أجرت اختباراً شهيراً عام 2007 دمرت خلاله قمراً اصطناعياً بصاروخ مباشر، وهو اختبار أثار صدمة داخل المؤسسات العسكرية الغربية لأنه أثبت أن بكين قادرة نظرياً على ضرب أهداف في المدار.
أما روسيا، فتتهمها واشنطن بتطوير أنظمة تشويش إلكتروني وأقمار قادرة على الاقتراب من أقمار أخرى وربما أنظمة هجومية مدارية مستقبلية.
التقارير الغربية تتحدث أيضاً عن تطوير أنظمة ليزر أرضية يمكنها إعماء الأقمار الاصطناعية مؤقتاً أو تعطيل مستشعراتها، إضافة إلى أسلحة إلكترونية قادرة على التشويش على الإشارات أو اختراق الشبكات الفضائية.
هذا التصعيد دفع الولايات المتحدة إلى رفع مستوى الاستثمار في أنظمة الحماية الفضائية، بما في ذلك تطوير أقمار أكثر مرونة وقدرة على المناورة، وأنظمة ذكاء اصطناعي قادرة على اكتشاف التهديدات المدارية بسرعة.
التحول نحو الأقمار الصغيرة والحرب الشبكية
هذا الخوف دفع الحلف إلى التفكير بطريقة مختلفة تماماً عن العقود السابقة.
بدلاً من الاعتماد على عدد محدود من الأقمار العملاقة التي قد تتجاوز تكلفة الواحد منها مليار دولار، تتجه الجيوش الغربية الآن نحو بناء شبكات ضخمة من الأقمار الصغيرة منخفضة المدار.
هذه الأقمار أرخص وأسرع تصنيعاً وأكثر صعوبة في التدمير الكامل، لأن خسارة عدد منها لا تعني انهيار الشبكة بأكملها.
هذا التحول يعرف عسكرياً باسم “الهندسة الفضائية الموزعة”، حيث يتم توزيع المهام على عدد ضخم من الأقمار الصغيرة بدلاً من الاعتماد على منصات ضخمة واحدة.
الأقمار الصغيرة الحديثة أصبحت تحمل قدرات كانت تحتاج سابقاً إلى أقمار ضخمة جداً، بفضل تطور المعالجات الدقيقة والذكاء الاصطناعي وتقنيات الضغط والاتصال.
بعض هذه الأقمار يستخدم تقنيات اتصال ليزرية بينية تسمح بنقل البيانات بسرعة هائلة دون الحاجة للعودة إلى المحطات الأرضية، وهو ما يقلل زمن الاستجابة ويحسن مقاومة التشويش.
كم يمكن أن تكلف الحرب الفضائية؟
تكلفة هذا التحول هائلة. إطلاق قمر اصطناعي عسكري واحد قد يتراوح بين 50 مليون دولار وأكثر من 500 مليون دولار بحسب المهمة والمستشعرات والحماية الإلكترونية.
بعض الأقمار الخاصة بالإنذار المبكر النووي أو تتبع الصواريخ الفرط صوتية قد تتجاوز تكلفتها عدة مليارات من الدولارات عند احتساب البنية التحتية الكاملة المرتبطة بها.
الولايات المتحدة وحدها تنفق عشرات المليارات سنوياً على أنظمة الفضاء العسكرية، بينما ارتفع الإنفاق العالمي على البرامج الفضائية الدفاعية بشكل حاد منذ حرب أوكرانيا.
بحسب تقديرات اقتصادية ودفاعية غربية، فإن الاقتصاد الفضائي العالمي قد يتجاوز 1.8 تريليون دولار بحلول عام 2035، مع توسع الاعتماد على الأقمار الاصطناعية في الأمن والدفاع والاتصالات والذكاء الاصطناعي.
كما أن الأقمار الحديثة لم تعد مجرد كاميرات تدور في المدار، بل أصبحت تحمل رادارات متطورة، ومستشعرات حرارية، وأنظمة ذكاء اصطناعي لتحليل البيانات مباشرة في الفضاء، إضافة إلى تقنيات اتصال ليزري عالية السرعة بين الأقمار نفسها دون الحاجة للعودة إلى المحطات الأرضية.
أما الأقمار الخاصة بالإنذار المبكر والرصد الاستراتيجي فقد تتجاوز تكلفتها مليار دولار عند احتساب التطوير والبنية الأرضية. حتى عملية الإطلاق نفسها مكلفة جداً، إذ تبلغ تكلفة إطلاق صاروخ مثل فالكون 9 (Falcon 9) من سبيس إكس نحو 65 إلى 70 مليون دولار تقريباً في المهمات التجارية، بينما ترتفع الأرقام في المهمات العسكرية الحساسة.
لكن التحدي الأكبر لا يتعلق بالقمر فقط، بل ببناء شبكة كاملة قادرة على التعافي بعد الهجوم. هذا يتطلب منصات إطلاق جاهزة باستمرار، وصواريخ متاحة بسرعة، وأقماراً احتياطية مخزنة مسبقاً، وأنظمة تحكم واتصالات مشفرة، وبنية دفاع إلكتروني ضد التشويش والهجمات السيبرانية.
ولهذا السبب، قد يتحول مشروع “ستارليفت” مستقبلاً إلى برنامج بمليارات الدولارات إذا توسع ليشمل شركاء آسيويين إضافيين.
لماذا اليابان شريك استراتيجي للناتو؟
اختيار اليابان تحديداً ليس خطوة رمزية.
طوكيو تمتلك واحداً من أكثر قطاعات الفضاء والتكنولوجيا تقدماً في آسيا، إضافة إلى وكالة جاكسا (JAXA)، ومواقع إطلاق متطورة مثل مركز تانيغاشيما الفضائي، وصناعة إلكترونيات واتصالات متقدمة للغاية.
كما أن موقع اليابان الجغرافي يمنح الناتو امتداداً مباشراً نحو المحيط الهادئ، وهو أمر بالغ الأهمية في أي مواجهة مستقبلية محتملة مع الصين حول تايوان أو بحر الصين الجنوبي.
اليابان تمتلك أيضاً خبرة واسعة في الروبوتات والذكاء الاصطناعي وأنظمة الاستشعار الدقيقة، وهي تقنيات أصبحت مرتبطة بشكل مباشر بتطوير الأقمار الاصطناعية العسكرية الحديثة.
كذلك، فإن طوكيو تريد تقليل اعتمادها الكامل على المظلة الأميركية التقليدية عبر بناء شبكة شراكات أوسع مع أوروبا والناتو.
اليابان تعيد بناء عقيدتها العسكرية
اليابان نفسها تمر بتحول عسكري ضخم.
خلال السنوات الأخيرة رفعت طوكيو ميزانيتها الدفاعية إلى مستويات قياسية، وبدأت تطوير صواريخ بعيدة المدى وأنظمة دفاع صاروخي وقدرات فضائية وعسكرية جديدة في أكبر تغيير استراتيجي تشهده البلاد منذ الحرب العالمية الثانية.
الحكومة اليابانية تتحدث بشكل متزايد عن ضرورة “الردع الاستباقي” وامتلاك القدرة على ضرب التهديدات قبل وصولها، وهو تحول كان يعتبر حساساً جداً داخل السياسة اليابانية لعقود.
كما أن اليابان تستثمر بقوة في أنظمة الدفاع ضد الصواريخ الفرط صوتية، وفي بناء أقمار اصطناعية للمراقبة والرصد البحري حول تايوان وبحر الصين الشرقي.
هذا يعني أن انضمام اليابان إلى مشروع فضائي مرتبط بالناتو ليس مجرد تعاون تقني، بل جزء من إعادة رسم الخريطة الأمنية في آسيا.
سباق عالمي لبناء جيوش فضائية
ما يحدث اليوم يكشف أن الفضاء يتحول بسرعة إلى الجبهة العسكرية القادمة.
الولايات المتحدة أنشأت بالفعل قوة الفضاء الأميركية (US Space Force)، والصين تستثمر بكثافة في الأقمار العسكرية وأنظمة الملاحة والرصد، بينما تطور روسيا أنظمة حرب إلكترونية فضائية.
حتى الشركات الخاصة أصبحت جزءاً من الأمن القومي.
شركات مثل سبيس إكس وبلو أوريجين (Blue Origin) ونورثروب غرومان (Northrop Grumman) أصبحت تلعب أدواراً أساسية في بناء البنية الفضائية العسكرية الغربية.
العديد من الخبراء يتوقعون أن يشهد العقد المقبل ظهور مفاهيم جديدة مثل “الدفاع المداري”، و“الدوريات الفضائية”، وربما مستقبلاً أنظمة اعتراض أو حماية تعمل داخل المدار نفسه.
ماذا يمكن أن نرى خلال السنوات المقبلة؟
إذا تطور مشروع “ستارليفت” خلال السنوات المقبلة، فقد نشهد مستقبلاً شبكة فضائية عسكرية شبه موحدة تربط أوروبا واليابان وشركاء المحيط الهادئ.
هذه الشبكة قد تشمل إطلاقات مشتركة، وأقمار مراقبة موحدة، وشبكات إنذار مبكر، وأنظمة دفاع ضد التشويش والهجمات السيبرانية، وربما مستقبلاً أنظمة دفاع فضائي هجومية أو دفاعية أكثر تطوراً.
كما قد نشهد سباقاً متسارعاً لبناء أقمار اصطناعية تعتمد بشكل أكبر على الذكاء الاصطناعي، بحيث تصبح قادرة على اتخاذ قرارات تشغيلية أولية بشكل ذاتي عند التعرض للهجوم أو التشويش.
هذا قد يغير طبيعة الحروب بالكامل، لأن سرعة اتخاذ القرار في الفضاء قد تصبح أسرع من قدرة البشر على التدخل المباشر.
الناتو يستعد لحرب تبدأ من المدار
في النهاية، مشروع “ستارليفت” لا يتعلق فقط بإطلاق أقمار اصطناعية، بل بمحاولة بناء أعصاب احتياطية للجيوش الغربية في عصر قد تبدأ فيه الحروب القادمة من المدار قبل أن تصل إلى الأرض.
المشروع يكشف أيضاً أن العالم دخل فعلياً مرحلة جديدة من سباق التسلح، حيث لم تعد المعركة تدور فقط حول الدبابات والطائرات والصواريخ، بل حول من يسيطر على البيانات والاتصالات والفضاء نفسه.
وفي الوقت الذي تتسابق فيه القوى الكبرى لبناء جيوش فضائية وأنظمة أقمار أكثر ذكاءً ومرونة، يبدو أن الفضاء يتحول تدريجياً من مجال للاستكشاف العلمي إلى واحدة من أخطر ساحات الصراع العسكري في القرن الحادي والعشرين.
المصدر: Nikkei


