الخلفية:

دراسة:كيف يمكن لكابلات الألياف الضوئية التجسس عليك؟

دراسة:كيف يمكن لكابلات الألياف الضوئية التجسس عليك؟

كشفت دراسة حديثة أن كابلات الألياف الضوئية (Fiber Optic Cables)، التي تحمل الإنترنت والبيانات حول العالم، يمكن نظرياً أن تتحول إلى أدوات قادرة على التقاط الاهتزازات الصوتية القريبة وتحويلها إلى كلام مفهوم باستخدام الذكاء الاصطناعي، في تطور يفتح باباً جديداً في نقاشات الخصوصية، الأمن السيبراني، وحماية البنية التحتية الرقمية.

الفكرة تبدو صادمة لأن الألياف الضوئية كانت تُعتبر دائماً أكثر أماناً من الأسلاك النحاسية التقليدية، لأنها لا تنقل البيانات عبر إشارات كهربائية يسهل التقاطها، بل عبر نبضات ضوئية تتحرك داخل شعيرات زجاجية دقيقة. لكن الدراسة أظهرت أن الخطر لا يأتي من قراءة بيانات الإنترنت نفسها، بل من قدرة الكابل المادية على التقاط الاهتزازات الصغيرة الناتجة عن الصوت والحركة في البيئة المحيطة.

القصة بدأت من تقنية علمية معروفة باسم الاستشعار الصوتي الموزع (Distributed Acoustic Sensing)، أو DAS، وهي تقنية تُستخدم أساساً في رصد الزلازل والبراكين وحركة المركبات ومراقبة خطوط الأنابيب. الجديد أن باحثين أظهروا أن التقنية نفسها يمكن أن تلتقط في ظروف معينة اهتزازات الكلام البشري، ثم تستخدم أدوات ذكاء اصطناعي مثل Whisper لتحويل الإشارات المستخرجة إلى نصوص مفهومة.

كيف يمكن لكابل زجاجي أن يسمع الصوت؟

لفهم الفكرة، يجب أن نعرف أن كابل الألياف الضوئية ليس مجرد “أنبوب ضوء” مثالي. داخل الألياف توجد عيوب مجهرية دقيقة جداً في الزجاج. هذه العيوب لا تعطل الاتصال العادي، لكنها تعكس جزءاً صغيراً جداً من الضوء إلى الخلف. عندما يتم إرسال نبضات ليزر داخل الكابل بواسطة جهاز متخصص يسمى المستجوب (Interrogator)، يمكن للجهاز قياس نمط هذه الانعكاسات الدقيقة على طول الكابل.

عندما تمر موجة صوتية بالقرب من الكابل، حتى لو كانت مجرد كلام بشري، فإنها تسبب اهتزازاً بسيطاً في الوسط المحيط بالكابل. هذا الاهتزاز يؤدي إلى تمدد وانكماش مجهري في الزجاج أو في الغلاف المحيط بالألياف، وهو ما يغيّر نمط الضوء المنعكس. هذه التغيرات صغيرة جداً، لكنها قابلة للقياس بأجهزة دقيقة.

بمعنى مبسط، الكابل لا يسمع مثل الأذن البشرية، لكنه يشعر بالاهتزازات. ثم يأتي دور البرمجيات في تحويل تلك الاهتزازات إلى إشارات صوتية، وبعدها يأتي دور الذكاء الاصطناعي في محاولة فهم الكلام وتحويله إلى نص.

ما الذي فعله الباحثون في التجربة؟

في التجربة التي عُرضت ضمن اجتماع علمي أوروبي وناقشتها مجلة Science، استخدم فريق من جامعة إدنبرة إعداداً قائماً أصلاً على تقنية DAS لدراسة تآكل السواحل. وضع الباحثون مكبر صوت بجانب كابل ألياف ضوئية، وشغّلوا أصواتاً ونغمات ومقاطع كلامية، ثم راقبوا ما إذا كان النظام قادراً على التقاط الاهتزازات الناتجة.

النتائج أظهرت أن الترددات المنخفضة في الكلام كانت قابلة للاستخراج من البيانات الخام بسهولة نسبية، بينما احتاجت الترددات الأعلى إلى معالجة إضافية. بعد ذلك، تم إدخال البيانات إلى أداة Whisper من OpenAI، فتمكنت الأداة من إنتاج نصوص مفهومة في الوقت الفعلي في بعض الظروف.

هذا لا يعني أن كل كابل إنترنت في العالم أصبح جهاز تنصت جاهزاً، لكنه يثبت أن البنية الفيزيائية نفسها قادرة على التقاط إشارات صوتية إذا توفرت المعدات المناسبة والظروف المناسبة.

لماذا الألياف المظلمة مهمة في هذه القصة؟

واحدة من النقاط الأكثر حساسية في الدراسة هي ما يسمى الألياف المظلمة (Dark Fiber)، وهي كابلات ألياف ضوئية موجودة بالفعل في المدن أو بين الدول أو تحت البحار، لكنها غير مستخدمة حالياً في نقل البيانات. هذه الألياف تبقى جزءاً من البنية التحتية وقد تكون متاحة لشركات اتصالات أو مؤسسات أو جهات بحثية أو حكومية.

تقنياً، يمكن استخدام الألياف المظلمة في تطبيقات مفيدة جداً، مثل رصد الزلازل، مراقبة الجسور، تتبع حركة المرور، مراقبة خطوط الطاقة، وحتى رصد حركة السفن والغواصات في الكابلات البحرية. لكن الجانب الآخر هو أن نفس هذه القدرة تجعلها حساسة أمنياً إذا استُخدمت بطريقة غير مسؤولة.

الخطر الأكبر لا يأتي من المنازل العادية بقدر ما يأتي من المرافق الحساسة مثل الوزارات، مراكز البيانات، مقار الشركات الكبرى، غرف الاجتماعات، القواعد العسكرية، البورصات، مراكز البحث، والمرافق التي تمر فيها كابلات ألياف مكشوفة أو ملفوفة بالقرب من أماكن الحديث.

ما حدود الخطر حالياً؟

رغم أن الدراسة مثيرة للقلق، فإنها لا تقول إن التجسس عبر كل كابل سهل أو مضمون. على العكس، هناك قيود مادية مهمة جداً.

الباحثون وجدوا أن الالتقاط الناجح للكلام كان مرتبطاً غالباً بكابلات ملفوفة ومكشوفة على السطح، وعلى مسافة قريبة من مصدر الصوت تصل إلى نحو خمسة أمتار في التجربة المذكورة. كما أن دفن الكابل تحت نحو 20 سنتيمتراً من التربة كان كافياً لإضعاف الصوت وجعل الكلام غير واضح.

الكابلات المستقيمة، حتى عندما كانت مكشوفة وقريبة من مصدر الصوت، لم تكن فعالة بنفس الدرجة في تسجيل الكلام. هذا مهم جداً لأنه يعني أن الخطر يرتفع عندما تكون الألياف ملفوفة داخل صندوق أو غرفة أو نقطة توزيع، لأن اللف يزيد حساسية الكابل للاهتزازات، بينما يقل الخطر في الكابلات المدفونة أو الممتدة بشكل مستقيم ومحمي.

لكن المشكلة أن هذه القيود قد لا تبقى ثابتة. مع تطور خوارزميات الذكاء الاصطناعي، قد تصبح الأنظمة أفضل في استعادة الكلام من إشارات ضعيفة أو مشوشة. ما يبدو غير واضح اليوم قد يصبح قابلاً للفهم بعد سنوات إذا تحسنت نماذج معالجة الصوت والإشارات.

التهديد الأخطر: هجوم صامت لا تصطاده أجهزة كشف التجسس التقليدية

الفرق بين هذا النوع من المخاطر وأجهزة التنصت التقليدية أن الهجوم لا يحتاج بالضرورة إلى ميكروفون مخفي داخل الغرفة. في بعض السيناريوهات، قد يكون الكابل نفسه هو المستشعر. وهذا يغير قواعد الأمن بالكامل.

أجهزة كشف التنصت التقليدية تبحث غالباً عن موجات لاسلكية أو أجهزة إلكترونية تعمل بطاقة أو إشارات إرسال. أما في حالة الألياف الضوئية، فإن الكابل لا يرسل موجة راديوية مثل جهاز تجسس عادي. هو فقط يتأثر ميكانيكياً بالاهتزازات، ويتم قراءة هذه التغيرات من طرف بعيد أو من نقطة وصول إلى الكابل.

هذا يجعل الخطر أكثر تعقيداً في البيئات الحساسة، لأن فحص الغرفة بأجهزة الكشف التقليدية قد لا يكون كافياً إذا كانت هناك ألياف ضوئية مكشوفة أو ملتفة داخل الجدران أو صناديق الشبكات أو غرف الاتصالات.

هل يمكن استغلال كابلات المنازل والشركات؟

بالنسبة للأفراد، الخطر في الوضع الحالي ليس واسع النطاق كما قد يبدو في العناوين. الهجوم يتطلب عادة معدات متخصصة، ومعرفة فنية، ووصولاً إلى كابل الألياف أو طرفه أو البنية المرتبطة به. لذلك، لا يجب أن يشعر المستخدم العادي بأن كابل الإنترنت في منزله يتنصت عليه تلقائياً.

لكن بالنسبة للشركات والمؤسسات، خصوصاً تلك التي تمتلك غرف اجتماعات حساسة أو شبكات ألياف داخلية أو كابلات تمر بالقرب من مكاتب الإدارة، فإن الخطر يستحق الانتباه. بعض الهجمات البحثية الأخرى أوضحت أن لف الألياف بطريقة معينة داخل صندوق أو نقطة توزيع يمكن أن يزيد حساسيتها للصوت، ما يجعل مناطق الشبكات الداخلية نقطة يجب إدخالها في تقييمات الأمن الفيزيائي.

الشركات الكبرى والمؤسسات الحكومية ومراكز البيانات يجب أن تتعامل مع الألياف الضوئية ليس فقط كوسيلة نقل بيانات، بل كجزء من سطح الهجوم الفيزيائي (Physical Attack Surface).

إجراءات الحماية للأفراد

بالنسبة للأفراد، أهم إجراء هو عدم المبالغة في الخوف، لكن مع رفع الوعي. يجب تجنب وضع أجهزة الراوتر أو صناديق الألياف الضوئية داخل غرف تُجرى فيها محادثات حساسة جداً إذا كان ذلك ممكناً. من الأفضل أن تكون معدات الألياف داخل غرفة خدمات أو زاوية بعيدة عن أماكن الاجتماعات أو النقاشات الخاصة.

كما يجب رفض أي تدخل غير موثق في كابلات الألياف أو صناديق الاتصال المنزلية. إذا حضر فني لإجراء صيانة، يجب التأكد من أنه تابع لمزود الخدمة فعلاً. هذا مهم لأن أي تعديل في ترتيب الكابل أو لفه أو إضافة معدات غير معروفة داخل صندوق الاتصال قد يخلق مخاطر لا يلاحظها المستخدم العادي.

في المنازل التي تضم أشخاصاً يعملون في وظائف حساسة، مثل الأمن، الإعلام، القانون، المال، الأبحاث، أو الإدارة العليا، من الأفضل أن تكون النقاشات الحساسة بعيدة عن نقاط الشبكة المكشوفة أو صناديق الألياف، تماماً كما يبتعد الناس عن النوافذ المفتوحة عند مناقشة أمور سرية.

إجراءات الحماية للشركات والمؤسسات

بالنسبة للشركات، تبدأ الحماية من التصميم. يجب ألا تمر كابلات الألياف المكشوفة أو نقاط التوزيع داخل غرف الاجتماعات الحساسة أو غرف مجالس الإدارة أو مكاتب الإدارة العليا. يجب نقل نقاط الشبكة إلى غرف اتصالات محمية ومراقبة، مع منع وجود لفائف طويلة غير ضرورية من الألياف داخل الأماكن الحساسة.

يجب أيضاً مراجعة طريقة تمديد الألياف داخل المباني. الكابلات المدفونة أو المحمية داخل قنوات صلبة أو بعيدة عن مصادر الصوت أقل عرضة لالتقاط الكلام. كما يمكن استخدام مواد عزل وامتصاص اهتزازات حول مسارات الألياف في الأماكن الحساسة.

المؤسسات عالية الحساسية يجب أن تضيف فحص الألياف الضوئية إلى عمليات TSCM، وهي إجراءات مكافحة التنصت الفني. لم يعد كافياً البحث عن ميكروفونات وأجهزة إرسال لاسلكية فقط. يجب فحص صناديق الألياف، نقاط التوزيع، غرف الاتصالات، الكابلات الملفوفة، وأي معدات غير موثقة متصلة بالشبكة البصرية.

من الإجراءات المهمة أيضاً مراقبة الوصول الفيزيائي إلى غرف الاتصالات. أي شخص يستطيع الوصول إلى طرف كابل ألياف أو نقطة توزيع قد يمتلك فرصة أكبر لإساءة استخدامه إذا كان لديه معدات متخصصة. لذلك يجب تطبيق سجلات دخول، كاميرات مراقبة، أختام حماية، وتوثيق دقيق لأي تغييرات على مسارات الكابلات.

حماية البيانات العلمية والبحثية

هناك جانب آخر لا يتعلق فقط بالتجسس، بل بالبحث العلمي. العلماء يستخدمون DAS لرصد الزلازل والبراكين وحركة المرور والبنية التحتية، وهذه التطبيقات مفيدة جداً للمجتمع. لكن إذا كانت البيانات الخام قد تحتوي على آثار صوتية أو معلومات حساسة، فقد يصبح نشرها علناً مشكلة.

لذلك، يجب على المراكز البحثية والمؤسسات التي تستخدم DAS أن تطور طرقاً لمعالجة البيانات قبل مشاركتها. يمكن مثلاً حذف أو تقليل الترددات المرتبطة بالكلام البشري، أو استبعاد البيانات القادمة من كابلات ملفوفة أو قريبة من أماكن مأهولة، أو تطبيق سياسات خصوصية تمنع نشر البيانات الخام دون مراجعة.

هذه نقطة مهمة لأن الحل ليس إيقاف البحث العلمي، بل بناء قواعد جديدة توازن بين فوائد الرصد الزلزالي والبيئي وبين حماية الخصوصية.

ما الذي يمكن أن يحدث مستقبلاً؟

مع تطور الذكاء الاصطناعي، قد تصبح هذه التقنية أكثر حساسية. نماذج معالجة الصوت يمكن أن تتعلم استعادة الكلام حتى من إشارات ضعيفة أو مشوشة. كما أن أجهزة الاستشعار الضوئية قد تصبح أصغر وأرخص وأكثر دقة، ما يزيد من احتمالات استخدامها في البيئات الأمنية والاستخباراتية.

في المقابل، يمكن أن تظهر صناعة جديدة لحماية الألياف الضوئية من الاستماع غير المقصود، تشمل كابلات ذات تصميم أقل حساسية للاهتزازات، أغلفة ماصة للصوت، أدوات كشف لاستخدام DAS غير المصرح به، وبرمجيات تنقية تمنع استعادة الكلام من البيانات العلمية.

قد تصبح الشركات الكبرى مستقبلاً مطالبة بتقييم مخاطر الألياف الضوئية ضمن معايير الأمن السيبراني والخصوصية، خصوصاً في قطاعات مثل البنوك، الطاقة، الدفاع، الاتصالات، والصحة.

الدراسة لا تعني أن كل كابل إنترنت أصبح جاسوساً، لكنها تعني أن البنية التحتية الرقمية الحديثة تمتلك قدرات جانبية لم يكن كثيرون ينتبهون لها. الكابل الذي ينقل بيانات الإنترنت يمكن، في ظروف معينة، أن يعمل كمستشعر اهتزازات شديد الحساسية.

الخطر اليوم محدود بشروط فنية ومادية واضحة، لكنه حقيقي بما يكفي ليدخل في حسابات الأمن والخصوصية، خاصة داخل المؤسسات الحساسة. ومع تطور الذكاء الاصطناعي، قد يصبح ما كان مجرد إشارة ضعيفة قابلاً للتحويل إلى كلام مفهوم.

الدرس الأكبر هو أن عصر الذكاء الاصطناعي لا يغير البرمجيات فقط، بل يعيد تعريف البنية التحتية نفسها. حتى الكابلات التي كنا نراها صامتة قد تصبح جزءاً من معادلة الأمن والمراقبة في المستقبل.

المصدر: Science

اقرأ أيضاً