الخلفية:

هل الذكاء الاصطناعي هو السبب الحقيقي وراء موجة تسريحات شركات التكنولوجيا؟

في الأشهر الأخيرة، بات الذكاء الاصطناعي حاضراً في بيانات تسريحات الوظائف التي تعلنها شركات التكنولوجيا الكبرى، من Pinterest إلى شركات أخرى في وادي السيليكون. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو:

هل الذكاء الاصطناعي هو السبب الحقيقي لهذه القرارات؟

الذكاء الاصطناعي كعنوان جذاب

تلجأ شركات عديدة إلى ربط قرارات تقليص القوى العاملة بالتحول نحو الذكاء الاصطناعي، باعتباره اتجاهاً عالمياً ولغة يفهمها المستثمرون ومبرراً منطقياً لإعادة الهيكلة، غير أن عدداً من المحللين يرون أن هذه الرواية قد تخفي وراءها دوافع أقدم، مثل خفض التكاليف، تباطؤ النمو، أو اشتداد المنافسة.

ما بين الواقع و”AI-washing”

ظهر في الآونة الأخيرة مصطلح “AI-washing” لوصف ميل بعض الشركات إلى تحميل الذكاء الاصطناعي مسؤولية قرارات إدارية، حتى عندما لا يكون العامل الحاسم فعلياً.

في كثير من الحالات لم تُستبدل الوظائف بالذكاء الاصطناعي مباشرة، بل أُعيد تنظيم الفرق أو أُلغيت أدوار لم تعد تتماشى مع الأولويات الجديدة

ما يجعل الذكاء الاصطناعي مسرّعاً للتغيير أكثر منه سبباً جذرياً له.

لماذا الآن؟

يأتي هذا التحول في توقيت حساس بسبب ارتفاع تكاليف التشغيل وضغوط المستثمرين لتحقيق الربحية ومنافسة محتدمة بين المنصات الرقمية

وفي هذا السياق، يوفر الذكاء الاصطناعي فرصة لإعادة رسم نماذج العمل، لكنه في الوقت نفسه يكشف هشاشة بعض الأدوار الوظيفية التي لم تعد مبررة اقتصادياً.

ماذا يعني هذا للموظفين؟

الرسالة الأوضح هي أن الخطر لا يكمن في الذكاء الاصطناعي نفسه، بل في الوظائف التي لا تتطور مع التحول التقني.

فالطلب لا يزال مرتفعاً على المهارات التحليلية، والتفكير الاستراتيجي، والإشراف البشري على الأنظمة الذكية، بينما تتراجع الحاجة إلى الأدوار المتكررة أو القابلة للأتمتة.

ماذا تقول البيانات؟

شهد عام 2025 تحولاً جذرياً في أسواق العمل العالمية نتيجة التبني المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، حيث تشير التقارير إلى تسجيل حوالي 244,851 حالة تسريح في قطاع التكنولوجيا وحده عالمياً خلال العام، كان من بينها ما يقرب من 70,000 حالة (أي بنسبة تقارب 30%) مرتبطة مباشرة بإعادة الهيكلة من أجل الذكاء الاصطناعي أو الأتمتة. وقد قادت شركات كبرى مثل “أمازون” هذا التوجه بإلغاء نحو 14,000 وظيفة إدارية، تلتها “مايكروسوفت” بحوالي 15,000 حالة، بينما أعلنت “سيلزفورس” عن تقليص فريق دعم العملاء بمقدار 4,000 موظف لاعتمادها على الذكاء الاصطناعي في تنفيذ نصف مهام القسم. أما بالنسبة للمنطقة العربية، فرغم عدم وجود أرقام إجمالية نهائية لحالات التسريح الفعلي، إلا أن المسوحات الإقليمية لعام 2025 كشفت عن قلق متزايد؛ حيث عبّر 55% من الموظفين في بعض القطاعات الحكومية والخاصة في دول مثل الإمارات عن مخاوفهم من فقدان وظائفهم لصالح الذكاء الاصطناعي التوليدي، في حين أشار تقرير لمنظمة العمل الدولية إلى أن حوالي 1.2 مليون وظيفة في المنطقة العربية باتت مهددة بالأتمتة الكاملة. ومع دخول عام 2026، بدأت الموجة تمتد لتشمل قطاعات أوسع مع إعلانات جديدة من شركات مثل “ميتا” التي بدأت بخفض 1,500 وظيفة للتركيز على منتجات الذكاء الاصطناعي، وسط توقعات بأن يستمر هذا الاتجاه التصاعدي مع انتقال الشركات من مرحلة التجريب إلى مرحلة الاعتماد الكلي على “الوكلاء الذكيين” لتقليل الاعتماد على العنصر البشري في المهام الروتينية والبرمجية.

الذكاء الاصطناعي ليس المتهم الوحيد في موجة التسريحات الحالية، لكنه العامل الذي يسرّع ما كان مؤجلاً. وبينما تستخدمه بعض الشركات كعنوان مريح لتبرير قرارات صعبة، تبقى الحقيقة أن سوق العمل في التكنولوجيا يمر بمرحلة إعادة تشكيل عميقة، سيحددها التوازن بين الابتكار والكلفة، لا التقنية وحدها.

اقرأ أيضاً