كشف فريق بحثي من جامعة كاليفورنيا في سانتا باربرا عن آلية جديدة لكيفية تثبيت الكربون في أعماق المحيطات المظلمة، في اكتشاف يقلب الفهم السائد لدور الكائنات المجهرية في هذه العملية المحورية لمناخ كوكب الأرض.
الدراسة، التي نُشرت في مجلة Nature Geoscience في شهر نوفمبر، كانت تركز على كائنات مجهرية تعرف باسم الأركيا المؤكسدة للأمونيا، والتي كان يُعتقد لفترة طويلة أنها الفاعل الرئيس في تثبيت الكربون غير العضوي في أعماق المحيطات الخالية من ضوء الشمس. إلا أن النتائج الجديدة تشير إلى أن مساهمتها الفعلية أقل بكثير مما كان متوقعاً، وأن الكائنات التي تتغذى عادة على الكربون العضوي الناتج عن تحلل الكائنات البحرية، تقوم هي الأخرى بعملية تثبيت لثاني أكسيد الكربون في الأعماق.
تقول عالمة أحياء المحيطات الدقيقة أليسون سانتورو من UCSB، والتي شاركت في إعداد الدراسة مع الباحثة الرئيسة باربرا باير من جامعة فيينا، إن هذه النتائج تحل لغزاً حيّر العلماء لأكثر من عقد، إذ كانت القياسات السابقة لمعدلات تثبيت الكربون في الأعماق أعلى بكثير مما تسمح به مصادر الطاقة النيتروجينية المعروفة.
ويمتص المحيط نحو ثلث انبعاثات ثاني أكسيد الكربون الناتجة عن الأنشطة البشرية، ما يجعله أكبر خزان كربون على كوكب الأرض وحاجزاً أساسياً في مواجهة تغير المناخ. ورغم أن الجزء الأكبر من تثبيت الكربون يتم في الطبقات السطحية المضاءة عبر عملية التمثيل الضوئي، فإن كميات ملحوظة من الكربون تُثبت أيضاً في المنطقة الميزوبلاجية، وهي طبقة متوسطة العمق لا يصلها ضوء الشمس.
لحل لغز التفاوت بين إمدادات النيتروجين ومعدلات تثبيت الكربون المقاسة في الأعماق، صممت الباحثة باربرا باير تجربة استخدمت فيها مركباً كيميائياً يدعى فينيل أسيتيلين، وهو مثبط انتقائي لنشاط الأركيا المؤكسدة للأمونيا. وعند تعطيل نشاط هذه الكائنات في عينات مياه من شرق المحيط الهادئ المداري، انخفض معدل تثبيت الكربون بدرجة أقل كثيراً مما كان متوقعاً، ما كشف أن جزءاً كبيراً من العملية تقوده كائنات أخرى غيرية التغذية.
وأظهرت النتائج أن الأركيا المؤكسدة للأمونيا لا تسهم إلا بنسبة تتراوح بين 4 و25 في المئة من تثبيت الكربون المتكامل على عمق العمود المائي في المنطقة المدروسة، مع بلوغ مساهمتها أقصى حد في الجزء العلوي من المنطقة الميزوبلاجية على أعماق بين 120 و175 متراً، حيث وصلت في بعض المحطات إلى نحو 50 في المئة.
هذه المعطيات، المدعومة بتمويل من المؤسسة الوطنية للعلوم في الولايات المتحدة، تطرح تساؤلات حول الافتراضات المضمنة في نماذج المناخ الحالية بشأن دورة الكربون في المحيط. وتشير سانتورو إلى أن هناك جوانب أساسية في طريقة عمل الشبكة الغذائية في الأعماق لا تزال غير مفهومة بالكامل، معتبرة أن هذه الدراسة تمثل خطوة مهمة نحو فهم قاعدة الشبكة الغذائية في المحيط العميق.
ويخطط فريق البحث، الذي ضم علماء من جامعة كاليفورنيا في سانتا باربرا وجامعة فيينا ومؤسسة وودز هول لعلوم المحيطات، لمواصلة دراسة كيفية انتقال الكربون المثبت في الأعماق إلى المستويات الأعلى في السلسلة الغذائية البحرية، وما إذا كان هذا قد يغير تقديرات العلماء لقدرة المحيط على تخزين الكربون على المدى الطويل.
المصدر: جامعة كاليفورنيا في سانتا باربرا (UCSB) – مجلة Nature Geoscience.