الخلفية:

ثورة طبية: باحثون يطورون بكتيريا تلتهم الأورام السرطانية من الداخل

كشف فريق بحثي من جامعة واترلو الكندية عن تطوير بكتيريا معدّلة وراثيًا قادرة على التسلل إلى الأورام الصلبة وتفكيكها من الداخل، في مقاربة علاجية قد تمهد مستقبلاً لبديل غير جراحي للتعامل مع بعض أنواع السرطان.

الدراسة، المنشورة في مجلة ACS Synthetic Biology، تمثل أحدث تطور في مسار بحثي استمر أكثر من عقد، يهدف إلى تحويل ميكروبات تعيش في التربة إلى أدوات دقيقة لمكافحة الأورام.

كيف تهاجم البكتيريا الورم؟

تعتمد التقنية على بكتيريا تُعرف باسم Clostridium sporogenes، وهي كائن دقيق يعيش طبيعيًا في التربة ولا ينمو إلا في بيئات خالية من الأكسجين.

هذه الخاصية تحديدًا تجعلها مناسبة لاستهداف الأورام الصلبة، إذ تحتوي مراكزها غالبًا على مناطق منخفضة الأكسجين نتيجة تراكم الخلايا الميتة وضعف الإمداد الدموي.

عند دخول أبواغ البكتيريا إلى الجسم، فإنها تستقر داخل النواة منخفضة الأكسجين للورم، وتبدأ في النمو والتكاثر وتستهلك المغذيات المتوفرة داخل الورم وتفكك الأنسجة السرطانية تدريجيًا من الداخل، أي إنها تحول البيئة القاسية داخل الورم إلى بيئة مثالية للبكتيريا، بينما تبقى الأنسجة السليمة أقل ملاءمة لنموها.

التحدي الأول: الأكسجين

رغم فاعلية الفكرة، واجه الباحثون عقبة رئيسية وهي عندما تبدأ البكتيريا في التقدم نحو أطراف الورم، فإنها تصطدم بمناطق تحتوي على مستويات منخفضة من الأكسجين، ما يؤدي إلى موتها قبل إكمال تفكيك الورم بالكامل.

لحل هذه المشكلة، أضاف الفريق جينًا مأخوذًا من بكتيريا أخرى يُعرف باسم noxA، وهو مسؤول عن إنتاج إنزيم يساعد على تحمّل الأكسجين عبر تحويله إلى ماء. هذا التعديل مكّن البكتيريا من الصمود في بيئات تحتوي على قدر محدود من الأكسجين.

التحدي الثاني: الأمان الحيوي

لكن إضافة مقاومة للأكسجين تطرح خطرًا جديدًا في حال أصبحت البكتيريا قادرة على البقاء في بيئات غنية بالأكسجين مثل مجرى الدم، وقد لجأ الباحثون إلى مفهوم يُعرف باسم “الاستشعار النصابي” (Quorum Sensing)، وهو نظام تواصل طبيعي بين البكتيريا.

تعتمد الفكرة على أن البكتيريا تُطلق إشارات كيميائية، وكلما زاد عددها زادت شدة الإشارة. وعند وصول الإشارة إلى مستوى معين، يتم تفعيل جينات محددة.

قام الباحثون بتصميم دائرة جينية، باستخدام أدوات البيولوجيا التركيبية، بحيث لا يتم تفعيل جين مقاومة الأكسجين إلا عندما يتجمع عدد كافٍ من البكتيريا داخل الورم، والتأكد من أن الاستيطان حدث بالفعل في البيئة المستهدفة، وبهذه الطريقة، يصبح النظام أشبه بمفتاح أمان بيولوجي يمنع تنشيط الجين في أماكن غير مرغوبة.

لماذا تمثل هذه المقاربة تحولًا مهمًا؟

  • تستهدف الورم من الداخل بدلاً من مهاجمته خارجيًا

  • قد تقلل الحاجة إلى جراحة في بعض الحالات

  • تعتمد على خصائص طبيعية في بيئة الورم

  • تستخدم دوائر جينية قابلة للبرمجة

المقاربة لا تهدف فقط إلى قتل الخلايا السرطانية، بل إلى استغلال نقاط ضعف الورم البيئية.

ما الخطوة التالية؟

حتى الآن، تم تطوير مكوني النظام، مقاومة الأكسجين ومفتاح الأمان الجيني، بشكل منفصل.

المرحلة المقبلة ستتضمن:

  • دمج النظامين في كائن واحد

  • اختبارات ما قبل سريرية

  • تقييم الفعالية والسلامة الحيوية

تكشف الدراسة عن رؤية جديدة لعلاج السرطان، تقوم على تسخير بكتيريا معدلة وراثيًا لاستهداف الأورام من الداخل. وبينما لا تزال التجارب في مراحلها المبكرة، فإن الدمج بين البيولوجيا التركيبية والهندسة الجينية يفتح أفقًا لعلاجات أقل تدخلًا وأكثر دقة.

المستقبل قد لا يكون في الجراحة أو العلاج الكيميائي وحدهما، بل في كائنات دقيقة مبرمجة بعناية للعمل من داخل الورم نفسه.