افتتح الاتحاد الأوروبي رسميًا أول منشأة تشغيلية لتصنيع الرقائق الإلكترونية ضمن إطار قانون الرقائق الأوروبي (EU Chips Act)، في محطة مفصلية ضمن مساعي القارة لتعزيز استقلالها التكنولوجي في مجال أشباه الموصلات.
وجرى تدشين منشأة FAMES Pilot Line في موقع CEA-Leti بمدينة غرونوبل الفرنسية، بحضور أكثر من 350 ممثلًا من قطاعات الصناعة والبحث والحكومات، لتكون أول خط تجريبي يدخل مرحلة التشغيل الفعلي ضمن مبادرة Chips for Europe.
استثمار ضخم وقدرات متقدمة
يبلغ حجم الاستثمار في المشروع نحو 830 مليون يورو، بتمويل مشترك من المفوضية الأوروبية وعدد من الدول الأعضاء، ويجمع 11 مؤسسة بحثية من ثماني دول أوروبية. وعلى الرغم من أن المشروع بدأ عملياته منذ عامين، فإن حفل الافتتاح الرسمي جاء تتويجًا لنجاحه في تحقيق نتائج تقنية مثبتة في مجالات متقدمة من تقنيات الرقائق.
وشمل الافتتاح تدشين غرفة نظيفة جديدة بمساحة 2000 متر مربع، ما يعني توسيع القدرات التشغيلية للمنشأة ضمن بيئة تصنيع عالية الدقة، تخضع لمعايير صارمة للتحكم في التلوث والظروف الفيزيائية، وهي مطلب أساسي لتطوير وتصنيع الرقائق المتقدمة، لترتفع القدرة الإجمالية للغرف النظيفة في CEA-Leti إلى 14 ألف متر مربع، ما يعزز قدرة أوروبا على تطوير تقنيات تصنيع متقدمة محليًا.
تركيز على تقنية منخفضة الاستهلاك للطاقة
يركّز خط FAMES التجريبي على تقنية FD-SOI (السيليكون المعزول كليًا)، وهي تقنية تتيح تشغيل الرقائق بجهد كهربائي أقل، ما يؤدي إلى خفض استهلاك الطاقة بنسبة تتراوح بين 30 و40٪ مقارنة بالتصاميم التقليدية عند مستوى الأداء نفسه.
وأكد دومينيك نوغيه، نائب رئيس CEA-Leti ومنسق المشروع، أن المنشأة ليست مجرد مشروع مستقبلي، بل منصة تشغيلية حقيقية تُستخدم حاليًا لتطوير التقنيات ونقلها إلى الصناعة.
شراكات صناعية ودعم للابتكار
يحظى المشروع بدعم أكثر من 40 شريكًا صناعيًا، من بينهم STMicroelectronics، Soitec، Siemens، Nokia، GlobalFoundries، وASML، كما يتيح وصولًا مفتوحًا للشركات الناشئة، والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، والباحثين الأكاديميين، بهدف اختبار النماذج الأولية وتأهيل التقنيات قبل التصنيع واسع النطاق.
وقال جان-رينيه لوكيبِيه، المدير التقني لـ CEA-Leti، إن العمل جارٍ على تطوير تقنية FD-SOI إلى عقد تصنيع 10 نانومتر و7 نانومتر، ما سيحسّن الكثافة والأداء والسرعة والسلوك الترددي للرقائق بشكل ملحوظ.
خطوة في طريق السيادة التكنولوجية
يمثل مشروع FAMES أول خط من خمسة خطوط تجريبية يخطط لها الاتحاد الأوروبي ضمن قانون الرقائق، بإجمالي استثمارات تصل إلى 3.7 مليار يورو. وتستهدف هذه الخطوط قطاعات استراتيجية تشمل السيارات الذكية، والحوسبة الطرفية، وإنترنت الأشياء، وشبكات 5G و6G، إضافة إلى التطبيقات الدفاعية والفضائية والطبية.
وأكدت آن-إيزابيل إتيانفر، المديرة العامة لهيئة الطاقة الذرية والبديلة الفرنسية (CEA)، أن المشروع يوفّر لأوروبا قدرة فريدة على تسريع نقل الابتكار من المختبر إلى الصناعة، ويشكّل حجر أساس لبناء ديناميكية أوروبية طويلة الأمد في مجال الميكروإلكترونيات.
يمثل تشغيل منشأة FAMES خطوة عملية نحو تقليل اعتماد أوروبا على سلاسل التوريد الخارجية للرقائق، في وقت تشهد فيه صناعة أشباه الموصلات تنافسًا جيوسياسيًا متصاعدًا. وبينما لا يزال الطريق طويلًا لمجاراة القوى الكبرى، فإن هذه الخطوة تؤكد انتقال أوروبا من مرحلة التخطيط إلى التنفيذ الفعلي في معركة السيادة التكنولوجية.


