الخلفية:

صدام عالمي في قمة الهند: واشنطن ترفض حوكمة الذكاء الاصطناعي والأمم المتحدة ترد بلجنة دولية

كشفت قمة AI Impact Summit 2026 في نيودلهي عن انقسام واضح في الرؤية العالمية لمستقبل حوكمة الذكاء الاصطناعي، بعدما أعلنت الولايات المتحدة رفضها الكامل لأي إطار حوكمة دولي، في الوقت الذي دفعت فيه الأمم المتحدة نحو إنشاء هيئة علمية مستقلة لضمان ما وصفته بـ”تحويل السيطرة البشرية إلى واقع تقني”.

القمة، التي تُعد رابع تجمع عالمي سنوي لمناقشة مستقبل الذكاء الاصطناعي، والأولى التي تستضيفها دولة من الجنوب العالمي، تحولت إلى منصة تعكس التوتر المتصاعد بين نهجين متباينين، نهج أمريكي يركز على المنافسة والابتكار الحر، ونهج أممي-أوروبي يدعو إلى رقابة متعددة الأطراف قائمة على العلم.

واشنطن: نرفض الحوكمة العالمية بالكامل

مستشار البيت الأبيض للتكنولوجيا مايكل كراتسيوس أعلن بوضوح خلال كلمته أن الإدارة الأمريكية ترفض تمامًا الحوكمة العالمية للذكاء الاصطناعي.

وقال إن إخضاع الذكاء الاصطناعي “لبيروقراطيات مركزية” لن يقود إلى مستقبل أكثر إشراقًا، معتبرًا أن التركيز المفرط على المخاطر قد يؤدي إلى كبح منظومة تنافسية ديناميكية.

وأكد أن السياسات المبنية على “هواجس أيديولوجية تركز على المخاطر”، سواء المرتبطة بالمناخ أو العدالة أو المساواة، قد تتحول إلى أدوات للإدارة المركزية، وهو ما قد يحد،  على حد قوله، من الابتكار ويعزل الدول النامية عن المشاركة الكاملة في اقتصاد الذكاء الاصطناعي.

الموقف الأمريكي يعكس استمرار توجه الإدارة الحالية نحو تقليل الأطر التنظيمية العابرة للحدود، والدفع باتجاه بيئة تنافسية مفتوحة تقودها الأسواق والشركات.

الأمم المتحدة: نحتاج إلى أساس علمي عالمي

في المقابل، استغل الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الجلسة الختامية للإعلان رسميًا عن اعتماد 40 عضوًا في “اللجنة العلمية الدولية المستقلة للذكاء الاصطناعي”.

الهيئة الجديدة، التي أُنشئت بقرار من الجمعية العامة في أغسطس 2025 وتم اعتماد أعضائها بتصويت 117 دولة مقابل اعتراض دولتين، تهدف إلى أن تكون بمثابة الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالمناخ لكن في مجال الذكاء الاصطناعي.

غوتيريش شدد على أن الهدف هو “جعل السيطرة البشرية واقعًا تقنيًا، لا مجرد شعار”، داعيًا إلى تقليل الخطاب القائم على الخوف أو المبالغة، واستبداله بنهج قائم على الأدلة والبحث العلمي.

أعضاء اللجنة، الذين سيعملون بصفتهم الشخصية لمدة ثلاث سنوات، تم اختيارهم من بين أكثر من 2600 مرشح، ويضم التشكيل شخصيات بارزة من بينها خبراء أكاديميون ورواد في تطوير الذكاء الاصطناعي.

ومن المتوقع أن تصدر اللجنة أول تقرير لها قبل “الحوار العالمي حول حوكمة الذكاء الاصطناعي” المقرر عقده في جنيف يوليو المقبل.

أوروبا بين الابتكار والتنظيم

الموقف الأوروبي، الذي عبّر عنه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في القمة، حاول التوفيق بين الابتكار والرقابة.

ماكرون أكد أن أوروبا لا تسعى إلى كبح التكنولوجيا، بل إلى جعلها “مساحة آمنة للابتكار”، مشيرًا إلى أن الاتحاد الأوروبي ماضٍ في تنفيذ “قانون الذكاء الاصطناعي” الذي تم اعتماده عام 2024.

الرسالة الأوروبية واضحة وهي أن التنظيم لا يتعارض مع الاستثمار، بل يمكن أن يعزز الثقة والاستدامة طويلة المدى.

شركات التكنولوجيا: بين القلق والدعوة للتنظيم

وسط هذا الجدل السياسي، برزت مواقف لافتة من قادة الصناعة.

الرئيس التنفيذي لشركة OpenAI سام ألتمان أشار إلى أن التنظيم أصبح “ملحًا”، محذرًا من أن تمركز التكنولوجيا في شركة أو دولة واحدة قد يحمل مخاطر كبيرة.

في المقابل، ترى بعض الأصوات في واشنطن أن التنظيم الدولي قد يرسخ هيمنة اللاعبين الكبار بدلًا من تعزيز المنافسة.

ما الذي يعنيه هذا الانقسام؟

الخلاف لا يتعلق فقط بإطار تنظيمي، بل بمن سيضع قواعد الذكاء الاصطناعي في العقد القادم؟

هل تكون القواعد نتيجة تفاهمات متعددة الأطراف تقودها الأمم المتحدة؟

أم تُصاغ من خلال سياسات وطنية وأسواق تنافسية تقودها القوى التكنولوجية الكبرى؟

الرهان كبير، خاصة وأن الذكاء الاصطناعي أصبح بنية تحتية استراتيجية تمس الأمن والاقتصاد والتعليم والصحة.

الجنوب العالمي في قلب المعادلة

استضافة الهند للقمة أضفت بعدًا جيوسياسيًا مهمًا، إذ تسعى الدول النامية إلى ضمان عدم استبعادها من صياغة القواعد الجديدة.

التحذير الأمريكي من أن التنظيم قد يعزل الدول النامية، يقابله طرح أممي يعتبر أن غياب الحوكمة قد يعمّق الفجوة الرقمية.

وبين هذين الطرحين، تتشكل ملامح النظام العالمي القادم للذكاء الاصطناعي.

اقرأ أيضاً