الخلفية:

اليونان تتجه لحظر وسائل التواصل للأطفال دون 15 عاما

اليونان تقترب من اتخاذ خطوة جذرية في التعامل مع تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على الأطفال، مع توجه حكومي لحظر استخدامها لمن هم دون سن الخامسة عشرة، في قرار يعكس تحولا عالميا متسارعا في طريقة تعامل الدول مع التكنولوجيا وتأثيرها على الأجيال الجديدة.

القرار المرتقب لا يأتي من فراغ، بل نتيجة ضغوط متزايدة من الأهالي والخبراء الذين يرون أن الأطفال أصبحوا غير قادرين على التحكم في استخدامهم للتطبيقات الرقمية، في ظل خوارزميات مصممة لزيادة التفاعل والإدمان. في هذا السياق، تعكس قصة الأم جورجيا إيفستاثيو حالة شائعة، حيث حاولت مرارا تقليل استخدام ابنها للهاتف عبر الحوار أو تحديد الوقت أو حتى سحب الجهاز، لكن دون نجاح حقيقي.

أرقام مقلقة تدفع نحو القرار

الدعم الشعبي للحظر مرتفع بشكل واضح، حيث تشير استطلاعات إلى أن نحو 80% من اليونانيين يؤيدون هذا التوجه، في مؤشر على أن القضية لم تعد مجرد نقاش تربوي، بل تحولت إلى أزمة مجتمعية.

البيانات تكشف أيضا أن نحو 75% من الأطفال المستخدمين لوسائل التواصل في اليونان هم في سن المرحلة الابتدائية، وهو ما يثير قلقا كبيرا لدى المختصين، خاصة أن هذه الفئة العمرية لا تمتلك القدرة الكافية على التمييز أو الحماية الذاتية في البيئة الرقمية.

كما أظهرت الإحصاءات أن الاتصالات بخطوط المساعدة المرتبطة بالتنمر الإلكتروني تضاعفت بين عامي 2024 و2025، ما يعكس تصاعدا واضحا في المخاطر المرتبطة باستخدام الأطفال للإنترنت.

المشكلة أعمق من مجرد استخدام

القضية لا تتعلق فقط بالوقت الذي يقضيه الأطفال على الهواتف، بل بطبيعة المحتوى والتأثير النفسي. خبراء يشيرون إلى أن الأطفال معرضون لمزيج من التنمر الإلكتروني والابتزاز والمعلومات المضللة، إضافة إلى التعرض لمحتوى غير مناسب.

كما أن نحو 48% من المراهقين أفادوا بأنهم شعروا بتأثيرات سلبية نتيجة استخدام وسائل التواصل، وهو رقم يعكس حجم التأثير الحقيقي على الصحة النفسية.

هذه المعطيات تدفع الحكومات إلى التفكير في حلول جذرية، لأن المشكلة لم تعد قابلة للحل عبر التوعية فقط.

بين الحل الحكومي ودور الأسرة

رغم الدعم الكبير للحظر، لا يزال هناك انقسام في الآراء. بعض الأهالي يرون أن الحل يجب أن يبدأ من داخل الأسرة، عبر وضع حدود واضحة لاستخدام الأجهزة، بدلا من الاعتماد على تدخل حكومي مباشر.

في المقابل، يرى آخرون أن حجم المشكلة تجاوز قدرة الأسرة وحدها، وأن المنصات الرقمية تمتلك أدوات أقوى بكثير للتأثير على الأطفال، ما يجعل التدخل الحكومي ضروريا.

هذا الجدل يعكس سؤالا أعمق حول من يتحمل مسؤولية تربية الأطفال في العصر الرقمي، هل هي الأسرة أم الدولة أم شركات التكنولوجيا.

تحديات التنفيذ الواقعي

حتى في حال تطبيق الحظر، تبرز تحديات كبيرة تتعلق بكيفية التنفيذ. الأطفال والمراهقون يمتلكون قدرة عالية على تجاوز القيود التقنية، سواء عبر استخدام حسابات بديلة أو شبكات افتراضية.

كما أن بعض الأهالي يخشون أن يؤدي الحظر إلى نتائج عكسية، مثل انتقال الأطفال إلى منصات أقل رقابة أو استخدام الإنترنت بشكل سري.

لذلك، فإن نجاح القرار لن يعتمد فقط على القوانين، بل على وجود منظومة متكاملة تشمل التوعية والتقنيات الرقابية والتعاون مع الشركات.

جزء من اتجاه عالمي أوسع

اليونان ليست وحدها في هذا المسار. دول مثل أستراليا وفرنسا بدأت بالفعل في فرض قيود مماثلة، مع اتجاه عالمي نحو تحديد سن أدنى لاستخدام وسائل التواصل.

هذا يشير إلى أن العالم يدخل مرحلة جديدة، حيث لم تعد التكنولوجيا تُترك دون تنظيم، خاصة عندما يتعلق الأمر بالأطفال.

التأثير على الشركات والاقتصاد الرقمي

هذه القرارات قد يكون لها تأثير مباشر على شركات مثل ميتا (Meta) وتيك توك (TikTok)، التي تعتمد بشكل كبير على فئة الشباب لزيادة التفاعل والإعلانات.

فرض قيود عمرية صارمة قد يؤدي إلى تقليل عدد المستخدمين، وبالتالي التأثير على الإيرادات، وهو ما قد يدفع الشركات إلى تطوير أدوات تحقق عمر أكثر دقة أو إعادة تصميم منتجاتها لتناسب القوانين الجديدة.

مستقبل العلاقة بين الأطفال والتكنولوجيا

ما يحدث اليوم يعكس نقطة تحول في علاقة الأطفال بالتكنولوجيا. الأجيال الجديدة نشأت في عالم رقمي بالكامل، لدرجة أن بعض الأطفال لا يتخيلون الحياة بدون وسائل التواصل. لكن في المقابل، بدأت المجتمعات تدرك أن هذا الاندماج الكامل قد يحمل مخاطر حقيقية إذا لم يتم تنظيمه. في النهاية، السؤال لم يعد هل يجب استخدام وسائل التواصل، بل كيف يمكن استخدامها دون أن تتحول إلى مصدر ضرر نفسي واجتماعي.

المصدر: رويترز

اقرأ أيضاً