الخلفية:

الذكاء الاصطناعي يهيمن على CES 2026.. والروبوتات البشرية ما زالت بعيدة عن المنازل

مشهد من معرض CES 2026 في لاس فيغاس يظهر منصات الذكاء الاصطناعي، سيارات ذاتية القيادة، وروبوتات متقدمة.

بعد أربع سنوات فقط من إطلاق ChatGPT، الأداة التي أدخلت الذكاء الاصطناعي إلى الاستخدام الجماهيري، بدا وكأن معظم العارضين في معرض الإلكترونيات الاستهلاكية CES 2026 في لاس فيغاس يروجون لأجهزة مدعومة بالذكاء الاصطناعي. غير أن التحول الأبرز هذا العام لم يكن في البرمجيات، بل في الانتقال المتسارع نحو ما بات يُعرف بـ “الذكاء الاصطناعي الفيزيائي” (Physical AI)، حيث تندمج الخوارزميات المتقدمة مع الروبوتات والأنظمة الذاتية وتقنيات القيادة المستقلة.

من البرمجيات إلى العالم المادي

شركات التكنولوجيا العملاقة وصناع السيارات العالميون استغلوا نسخة هذا العام من CES لتأكيد أن المرحلة المقبلة من الذكاء الاصطناعي لن تبقى حبيسة الشاشات، بل ستنتقل إلى الأجسام الميكانيكية والأجهزة المنزلية والسيارات. وبينما عرضت الشركات الكبرى تصورات لما قد تبدو عليه الحياة والمنازل خلال السنوات القليلة المقبلة، تنافست عشرات الشركات الناشئة ورواد الأعمال على جذب الانتباه عبر أدوات مدعومة بالذكاء الاصطناعي لأداء مهام تتراوح بين قص الشعر وتقديم الدعم العاطفي.

وسط هذا الزخم، وجد المستثمرون والمحللون أنفسهم أمام مهمة شائكة تتمثل في التمييز بين الأجهزة القادرة فعلاً على تحقيق نجاح تجاري واسع، وتلك التي لا تتجاوز كونها صيحات تسويقية.

وقال كريس بيرجي، رئيس وحدة الحواسيب والهواتف والأجهزة الذكية في شركة Arm، في تصريح لرويترز: “الذكاء الاصطناعي يقود بالفعل دورة كاملة من الابتكار وخلق الطلب“. وكشفت الشركة حصرياً أنها أعادت هيكلة عملياتها عبر إنشاء وحدة مخصصة لـ الذكاء الاصطناعي الفيزيائي بهدف توسيع حضورها في سوق الروبوتات.

الروبوتات البشرية.. عرض مبهر وتحديات عميقة

شهد الاهتمام بـ الروبوتات البشرية الشكل (Humanoid Robots) قفزة لافتة، إذ تراها الشركات بوصفها الحدود التالية للأتمتة والذكاء الاصطناعي. وفي أروقة CES، قدمت روبوتات من شركات مثل إل جي الكورية الجنوبية عروضاً تضمنت لعب البوكر وطي الورق والرقص مع الزوار.

لكن خلف هذا الاستعراض، كشفت الوتيرة البطيئة للغاية لأداء تلك الروبوتات عن تحديات جوهرية، أبرزها قدرات المعالجة المحدودة وعمر البطارية وصعوبة التعامل مع مواقف غير مبرمجة مسبقاً. ونتيجة لذلك، يتفق الخبراء على أن طرح روبوت بشري عملي وموثوق في الأسواق لن يحدث قريباً، خاصة إذا كان الهدف توفيره بسعر معقول للمستهلك العادي.

البرمجيات والعتاد.. تكامل لا مفر منه

في فعالية ضخمة أقامتها لينوفو داخل كرة لاس فيغاس (Las Vegas Sphere)، ظهر على المسرح كل من جنسن هوانغ الرئيس التنفيذي لشركة إنفيديا، وليزا سو الرئيسة التنفيذية لشركة AMD. وخلال الحدث، كشفت لينوفو، أكبر صانع للحواسيب الشخصية في العالم، عن منصة Qira للمساعد الصوتي المعتمد على الذكاء الاصطناعي، والمصمم للعمل عبر أجهزة متعددة وتقديم خدمات بالتعاون مع شركات مثل إكسبيديا.

في السياق ذاته، أعلنت ميتا عن تعزيز منتجاتها Ray-Ban Display وNeural Band بميزات جديدة من بينها التسجيل المباشر، فيما أطلقت غوغل نموذجها Gemini المخصص لأجهزة التلفزيون ومعدات المنازل الذكية.

بين الابتكار الحقيقي والحيل التسويقية

إلى جانب التقنيات المتقدمة، امتلأ المعرض بأجهزة أقل جدية، وصفها بعض المراقبين بأنها أقرب إلى الاستعراض التسويقي. شملت هذه الأجهزة أدوات تستخدم صوراً ثلاثية الأبعاد وشخصيات افتراضية لقول “كلمات لطيفة” بأصوات متعددة، إضافة إلى حيوان أليف إلكتروني يتغير سلوكه مع صاحبه بفضل الذكاء الاصطناعي.

كما عرضت إحدى الشركات جهاز تنظيف جاف يعمل بالذكاء الاصطناعي بسعر 599 دولاراً، قالت إنه قادر على التعرف على نوع القماش وتنظيفه خلال ثلاث دقائق، في حين قدمت شركة أخرى ماكينات حلاقة تستخدم الذكاء الاصطناعي للمساعدة في قص الشعر.

وعلق جاي غولدبرغ، المحلل في Seaport Research، قائلاً إن كثيراً من هذه الأجهزة كانت تُعرف سابقاً باسم “أجهزة ذكية”، مضيفاً أن تبني مصطلح الذكاء الاصطناعي قد يكون في بعض الحالات مجرد أداة تسويق.

الرقائق الإلكترونية.. القلب النابض للمرحلة المقبلة

مع ارتفاع تكلفة تشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي السحابية، يتوقع الخبراء انتقال جزء متزايد من هذه العمليات إلى الأجهزة نفسها، وهو ما يتطلب دمج وظائف متخصصة داخل الرقائق الإلكترونية.

وقال أرافيند سرينيفاس، الرئيس التنفيذي لشركة Perplexity AI، خلال فعالية لشركة إنتل: “إذا كنت تعيش تحت صخرة خلال 2025، فمن المؤكد أنك سمعت أن الذكاء الاصطناعي أصبح مكلفاً للغاية“. وأكد جيم جونسون، رئيس أعمال رقائق الحواسيب الشخصية في إنتل، لرويترز أن تكاليف معالجة البيانات في السحابة تتزايد بوتيرة مقلقة.

وخلال المعرض، أطلقت إنتل شريحة Panther Lake المخصصة للحواسيب المحمولة، وهي أول منتج يُصنع باستخدام تقنية 18A المتقدمة، فيما أعلنت AMD عن مجموعة معالجات جديدة مصممة خصيصاً لما يُعرف بـ حواسيب الذكاء الاصطناعي (AI PCs).

هل المستهلك مستعد؟

رغم الوعود بتحسين السرعة وعمر البطارية والأمان بفضل الذكاء الاصطناعي، لا يزال من غير الواضح ما إذا كان المستهلكون سيقبلون على شراء هذه الأجهزة.

وقال بن باجارين، الرئيس التنفيذي لشركة Creative Strategies الاستشارية: “أعتقد أن المستهلك العادي لا يزال غير مدرك لما يعنيه فعلاً مصطلح حاسوب يعمل بالذكاء الاصطناعي، أو ما الذي يمكن أن يقدمه له مما لا يستطيع فعله اليوم“، مضيفاً: “نأمل أن يصبح ذلك أكثر وضوحاً بمرور الوقت“.

هيمنة الذكاء الاصطناعي الفيزيائي على CES 2026 تؤكد أن مستقبل التقنية يتجه نحو التجسيد المادي للذكاء الاصطناعي. غير أن الطريق نحو روبوتات بشرية تخدم الإنسان في المنازل ما زال طويلاً، ومحفوفاً بتحديات تقنية واقتصادية تجعل هذا الحلم مؤجلاً إلى إشعار آخر.

المصدر: رويترز