أعلنت وكالة حماية البيئة الأمريكية، في خطوة تعكس توجهًا جديدًا لسياسات الطاقة، التراجع عن تشديدات عام 2024 الخاصة بانبعاثات الزئبق والملوثات السامة من محطات توليد الكهرباء العاملة بالفحم.
الإدارة الحالية بررت القرار بأنه يخفف الأعباء المالية عن شركات المرافق، ويساعد في تعزيز إمدادات الكهرباء الأساسية، خاصة في ظل ارتفاع الطلب على الطاقة نتيجة التوسع الكبير في مراكز البيانات وتقنيات الذكاء الاصطناعي.
لكن جماعات الصحة العامة والبيئة حذرت من أن هذا التراجع قد يأتي بثمن صحي مرتفع، خصوصًا على الفئات الأكثر هشاشة.
المعايير التي تم إقرارها عام 2024، واستندت إلى تحديثات لقواعد عام 2012، كانت تستهدف خفض انبعاثات الزئبق من محطات الفحم بنسبة 70%، وتقليل معادن سامة أخرى مثل النيكل والزرنيخ والرصاص بنحو الثلثين.
تقديرات جهات بيئية أشارت حينها إلى أن تلك الإجراءات قد تحقق وفورات صحية تصل إلى مئات الملايين من الدولارات حتى عام 2037، عبر تقليل أمراض الجهاز التنفسي ومضاعفات التعرض للسموم.
أما القرار الجديد فيعيد المعايير إلى مستويات 2012، معتبرًا أن تلك القواعد توفر “هامش أمان كافيًا” لحماية الصحة العامة، وأن تشديد 2024 يفرض تكاليف أعلى من فوائده.
الوكالة قدرت أن التراجع سيوفر ما بين 69 و78 مليون دولار سنويًا خلال الفترة من 2028 إلى 2037.
الزئبق… خطر صامت
الزئبق مادة سامة عصبيًا، ويمكن أن يؤثر على نمو دماغ الأطفال، خاصة خلال الحمل والمراحل المبكرة من الحياة.
منظمات صحية أكدت أن أي تخفيف للقيود قد يرفع مستويات التعرض، ما قد ينعكس على معدلات أمراض القلب والجهاز التنفسي، إضافة إلى التأثيرات العصبية طويلة المدى.
ويرى منتقدو القرار أن الوفورات المالية المعلنة لا تعكس الكلفة الحقيقية على النظام الصحي والمجتمع.
طاقة أكثر… أم تراجع بيئي؟
الإدارة تربط القرار بحاجة البلاد إلى طاقة مستقرة مع تسارع نمو استهلاك الكهرباء، خصوصًا من مراكز البيانات الضخمة التي تغذي تطبيقات الذكاء الاصطناعي.
كما سبق أن أعلنت حالة “طوارئ طاقة” لتبرير إبقاء بعض محطات الفحم القديمة قيد التشغيل، ومنحت عشرات المحطات إعفاءات مؤقتة من بعض القواعد البيئية.
في المقابل، تشير بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إلى أن الفحم يولد أقل من 20% من كهرباء البلاد، بينما تتزايد مساهمة مصادر متجددة والغاز الطبيعي.
محطات قديمة… وتكاليف متصاعدة
رغم تخفيف القيود، تواجه محطات الفحم القديمة تحديات اقتصادية متزايدة. دراسات بحثية أظهرت ارتفاع تكاليف تشغيلها وصيانتها بنحو 28% بين 2021 و2024.
ويرى بعض المحللين أن السوق نفسه يدفع تدريجيًا نحو تقليص الاعتماد على الفحم، بغض النظر عن التخفيف التنظيمي.
الجدل يتجاوز الأرقام
القضية لا تتعلق فقط بتكاليف المرافق أو وفورات الميزانية، بل بسؤال أوسع: كيف توازن الولايات المتحدة بين أمن الطاقة والصحة العامة في عصر يتضاعف فيه الطلب على الكهرباء بسبب التحول الرقمي؟
أنصار القرار يرونه خطوة ضرورية لضمان استقرار الشبكة الكهربائية. أما منتقدوه يعتبرونه تراجعًا عن مسار خفض التلوث وحماية الفئات الأكثر عرضة للخطر.


