يرى ألكسندر فيدياخين، النائب الأول لرئيس «سبيربنك» الروسي، أن الذكاء الاصطناعي أصبح القوة الحاسمة في القرن الحادي والعشرين، وأن الدول القادرة على تطوير نماذج لغوية وطنية ستنضم إلى ما يشبه “ناديًا نوويًا جديدًا”، تتمتع أعضاؤه بتأثير واسع يشبه امتلاك السلاح النووي في القرن الماضي. وفي مقابلة مطولة مع وكالة «رويترز» أكد فيدياخين أن هذه التكنولوجيا لن تمنح التفوق التقني فقط، بل ستحدد النفوذ السياسي والاقتصادي للدول خلال العقود المقبلة.
سباق عالمي مغلق
يصف فيدياخين سباق الذكاء الاصطناعي العالمي بأنه مغلق بالفعل، موضحًا أن الولايات المتحدة والصين تفوقتا على بقية الدول بفارق يناهز تسعة أشهر من التطوير المستمر. ويرى أن أي دولة لا تزال خارج هذا السباق تواجه صعوبة شبه مستحيلة في اللحاق به، لأن كل يوم تأخير يزيد الفجوة بشكل هندسي. ويوضح أن امتلاك نموذج لغوي وطني متطور ليس رفاهية تقنية، بل هو أساس للأمن القومي، إذ لا يمكن استخدام نماذج أجنبية في القطاعات الحساسة مثل الخدمات الحكومية والأنظمة الصحية والتعليم. ويشير إلى أن إدخال البيانات السرية في نماذج أجنبية قد يؤدي إلى “عواقب غير سارة للغاية”، في إشارة واضحة إلى المخاطر الاستخباراتية المحتملة.
روسيا بين التفوق والقيود
يشير فيدياخين إلى أن روسيا حققت إنجازًا كبيرًا بانضمامها إلى مجموعة تضم سبع دول فقط تمتلك نماذج لغوية وطنية متقدمة. ويؤكد أن «سبيربنك» وشركة «ياندكس» هما العمود الفقري لهذا الجهد، رغم العقوبات الغربية التي أعاقت الوصول إلى الشرائح الإلكترونية والعتاد المتطور. ويقر بأن الفجوة التقنية في البنية الحاسوبية بين روسيا والدول المتصدرة ستزداد، غير أنه يرى أن روسيا تعوّض هذا النقص بخبرة رياضية وبرمجية عالية تساعدها على تقليل التكاليف وتسريع التعلم الآلي.
نماذج “غيغاتشات” الروسية
يعتبر فيدياخين أن نموذج “غيغاتشات 2 ماكس” يعادل قدرات ChatGPT-4، بينما يقترب النموذج الجديد “غيغاتشات ألترا” من مستوى ChatGPT-5. ويؤكد أن هذه النماذج تمتلك قدرات واسعة في التحليل اللغوي وتلخيص البيانات والمساعدة البحثية، وأن بعضها سيُطرح مفتوح المصدر لدعم الشركات المحلية وتسريع التطوير الصناعي. ويرى أن الخطوة المقبلة ستكون تطوير نماذج بذاكرة أكبر ومعمارية مغايرة للـ GPT التقليدية، ربما على غرار ما فعلته شركة DeepSeek الصينية في عام 2024.
اقتصاد الذكاء الاصطناعي وتكاليف الطاقة
يحذر فيدياخين من أن الاستثمار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي قد لا يدر عائدات واضحة قريبًا، نظرًا لحجم الطاقة الهائل الذي تستهلكه مراكز البيانات الحديثة. ويشير إلى أن روسيا تحتاج إلى إنفاق 40 تريليون روبل (نحو 506 مليارات دولار) على قطاع توليد الكهرباء خلال 16 عامًا، إضافة إلى خمسة تريليونات روبل على شبكات النقل. ويصف موجة الاستثمار العالمية في الذكاء الاصطناعي بأنها وصلت إلى مستوى “الهوس المحموم”، وأن العديد من الشركات والدول قد تضخ أموالاً لن تستردها بسهولة بسبب سرعة التقنيات وظهور بدائل أحدث.
هل تواجه روسيا فقاعة ذكاء اصطناعي؟
يعتقد فيدياخين أن روسيا محمية من “فقاعة AI” الشائعة في الغرب، لأن حجم استثماراتها أقل بكثير من استثمارات الولايات المتحدة والصين، ولأن الشركات الروسية تعتمد على كفاءة المبرمجين والمهندسين أكثر من اعتمادها على مراكز حوسبة ضخمة. ويؤكد أن روسيا تعرف حدود قدراتها وتستثمر بشكل دقيق ومركّز، مما يقلل احتمال التعرض لانهيار مالي نتيجة الإفراط في بناء بنية تحتية قد تصبح غير ضرورية بعد سنوات قليلة.
تسلط تصريحات فيدياخين الضوء على مرحلة جديدة من سباق التسلح العالمي، حيث لم تعد الأسلحة النووية وحدها معيار النفوذ الدولي. اليوم، الذكاء الاصطناعي، خاصة النماذج اللغوية العملاقة، أصبح السلاح الأكثر حسمًا في السياسة والاقتصاد والمجتمع. وبينما تتنافس واشنطن وبكين على الصدارة، تسعى موسكو لتأمين موقعها ضمن النادي المغلق الذي يحدد شكل القوة في القرن الحادي والعشرين.
المصدر: رويترز


