الخلفية:

بريطانيا تبدأ استخدام Starshield من SpaceX في الاتصالات العسكرية

بريطانيا تبدأ استخدام Starshield من SpaceX في الاتصالات العسكرية

بدأت بريطانيا استخدام شبكة ستارشيلد (Starshield) التابعة لشركة سبيس إكس (SpaceX) في الاتصالات العسكرية التشغيلية، ما يجعلها من أوائل الدول خارج الولايات المتحدة التي تعتمد النسخة الحكومية والعسكرية من شبكة ستارلينك (Starlink). هذه الخطوة لا تعني فقط شراء خدمة إنترنت فضائي أسرع، بل تمثل دخولاً أوضح للجيوش الغربية في عصر تعتمد فيه الاتصالات العسكرية والقيادة والسيطرة والعمليات البعيدة على شبكات أقمار صناعية تجارية الطابع لكنها مصممة لخدمة الأمن القومي.

وفقاً لما نقلته رويترز عن شخصين مطلعين، بدأت وزارة الدفاع البريطانية تحويل حركة الاتصالات العسكرية التشغيلية إلى ستارشيلد مع بداية عام 2026 تقريباً، بينما بقي استخدام ستارلينك محصوراً في أغراض غير تشغيلية، مثل تمكين الجنود من التواصل مع عائلاتهم أثناء الانتشار. الوزارة لم تؤكد صراحة استخدام ستارشيلد في بيانها، لكنها قالت إن ستارلينك لا تُستخدم في العمليات العسكرية، وإن القوات المسلحة البريطانية تعتمد على مجموعة متنوعة من الموردين.

الفارق بين الجملتين مهم جداً. عندما تقول الوزارة إن ستارلينك لا تستخدم في العمليات، فهذا لا ينفي بالضرورة استخدام Starshield، بل يرسم خطاً بين الخدمة التجارية والخدمة الحكومية العسكرية. وهذا بالضبط هو الخط الذي يحاول إيلون ماسك وSpaceX تأكيده منذ توسع الاستخدام العسكري لشبكة ستارلينك في أوكرانيا ثم في عمليات أخرى أكثر حساسية.

ما هي Starshield؟

ستارشيلد هي النسخة الحكومية والأمنية من تقنيات ستارلينك ، لكنها مصممة لمهام أكثر حساسية تشمل الأمن القومي والاستخبارات والاتصالات العسكرية ورصد الأرض وحمل حمولات حكومية على أقمار صناعية. وفق صفحة SpaceX الرسمية، تعتمد ستارشيلد على تقنيات ستارلينك وقدرات الإطلاق الخاصة بالشركة، لكنها موجهة للجهات الحكومية، مع تركيز أولي على رصد الأرض والاتصالات والحمولات المستضافة.

الفرق الجوهري أن ستارلينك صُممت أساساً لخدمة المستهلكين والشركات، بينما ستارشيلد صُممت للجهات الحكومية ومهام الأمن القومي. وبحسب وصف SpaceX، تضيف ستارشيلد طبقات أعلى من الأمان، بما في ذلك قدرات تشفير واعتمادية أكبر للبيانات، وهو ما يجعلها أكثر ملاءمة للمهام التي لا تتحمل انقطاع الاتصال أو كشف البيانات أو الاعتماد على خدمة تجارية عادية.

هذه النقطة تفسر لماذا تتحرك بريطانيا نحو ستارشيلد بدلاً من الاكتفاء بـ ستارلينك. فالاتصالات العسكرية لا تحتاج فقط إلى سرعة إنترنت، بل تحتاج إلى أمان واعتمادية واستمرارية وقدرة على العمل في بيئات متنازع عليها. في العمليات العسكرية، فشل الاتصال لا يعني فقط انقطاع خدمة، بل قد يعني فشل مهمة أو تعريض قوة للخطر.

لماذا تحتاج بريطانيا إلى Starshield الآن؟

اعتماد بريطانيا على ستارشيلد يأتي في لحظة يتغير فيها شكل الحروب. الجيوش الحديثة لم تعد تعتمد فقط على أجهزة الراديو التقليدية أو الأقمار الصناعية العسكرية الثقيلة والباهظة، بل بدأت تمزج بين أنظمة حكومية وعسكرية وتجارية للحصول على اتصال دائم وسريع في أي مكان. وهذا ما جعل شبكات المدار الأرضي المنخفض مثل ستارلينك وستارشيلد  جذابة للجيوش.

الأقمار الصناعية التقليدية في المدارات الأعلى توفر تغطية واسعة، لكنها غالباً أعلى تكلفة وأعلى زمناً في التأخير. أما شبكات المدار الأرضي المنخفض (Low Earth Orbit) فتعمل من ارتفاعات أقل، ما يمنحها زمناً أقل للتأخير وقدرة أفضل على دعم تطبيقات مثل الفيديو، والقيادة الميدانية، وتبادل البيانات التكتيكية، والاتصال في المناطق النائية. بالنسبة لجيش ينتشر عالمياً مثل الجيش البريطاني، هذه الميزة ليست تفصيلاً تقنياً، بل عنصر عملياتي مهم.

منذ الحرب في أوكرانيا، أصبحت شبكات الاتصال الفضائي منخفضة المدار جزءاً من النقاش العسكري اليومي. استخدمت أوكرانيا شبكة Starlink على نطاق واسع بعد الغزو الروسي في فبراير 2022، وشملت الاستخدامات الاتصالات الميدانية وتشغيل بعض أنظمة الطائرات المسيرة. هذا الاستخدام كشف قيمة الشبكة، لكنه كشف أيضاً مشكلة خطيرة: ماذا يحدث عندما تصبح خدمة تجارية مملوكة لشركة خاصة جزءاً من بنية الحرب؟

Starlink أم Starshield؟ الخط الفاصل بين الإنترنت والحرب

القضية المركزية في الخبر هي الفصل بين Starlink وStarshield. SpaceX قالت سابقاً إن Starlink لا ينبغي أن تُستخدم في أنظمة الأسلحة. هذا الموقف أصبح أكثر حساسية بعدما توسع استخدام الشبكة في عمليات عسكرية، خصوصاً في أوكرانيا، ثم في تقارير تحدثت عن استخدامها في توجيه طائرات مسيرة انتحارية أميركية خلال الحرب مع إيران.

وفق تقارير حديثة نقلت عن رويترز، رفعت SpaceX السعر الذي تتقاضاه من البنتاغون مقابل خدمات Starlink المستخدمة في توجيه طائرات مسيرة انتحارية خلال عمليات ضد إيران بنحو خمسة أضعاف. وذكرت تقارير أن الخلاف دار حول أن البنتاغون كان يدفع نحو 5 آلاف دولار لكل محطة أو خدمة في حين رأت SpaceX أن الاستخدام العسكري الهجومي أقرب إلى مستوى خدمة أعلى قد تبلغ قيمته نحو 25 ألف دولار. كما أفادت Defense News بأن البنتاغون وافق في النهاية على دفع سعر أعلى، ما رفع تكلفة بعض الوحدات المرتبطة بطائرات LUCAS الانتحارية من نحو 30 ألف دولار إلى مستوى أعلى بكثير.

هذا الخلاف يوضح جوهر المشكلة. عندما تُستخدم شبكة مصممة للاتصال التجاري في مهام قتالية، تظهر أسئلة حول التسعير والمسؤولية والقيود القانونية وحدود استخدام الخدمة. لذلك، يحاول ماسك وSpaceX دفع الحكومات إلى استخدام ستارشيلد للمهام العسكرية الحساسة، وترك ستارلينك للاستخدامات المدنية أو غير القتالية.

ما الذي يعنيه استخدام بريطانيا لـ Starshield عسكرياً؟

استخدام بريطانيا لـ ستارشيلد  يعني أن وزارة الدفاع البريطانية تريد اتصالاً أكثر أمناً وملاءمة للعمليات مقارنة بخدمة ستارلينك التجارية. رويترز قالت إن حركة الاتصالات التشغيلية بدأت تنتقل إلى الخدمة الأعلى تكلفة منذ بداية العام تقريباً، بينما بقيت ستارلينك مستخدمة لأغراض مثل التواصل الشخصي للجنود مع عائلاتهم.

هذا التقسيم منطقي عسكرياً. يمكن استخدام ستارلينك كخدمة إنترنت ميدانية أو إنسانية أو إدارية، بينما تُستخدم ستارشيلد للاتصالات التي قد ترتبط بالعمليات، أو نقل بيانات حساسة، أو التواصل بين وحدات عسكرية في بيئات صعبة. وبذلك يصبح لدى الجيش طبقتان: طبقة اتصال عامة ومنخفضة الحساسية، وطبقة اتصال مؤمنة ومخصصة للمهام العسكرية.

لكن هذه الخطوة تطرح سؤالاً أكبر: هل تصبح الجيوش الغربية معتمدة أكثر فأكثر على SpaceX في الاتصالات العسكرية؟ إذا كانت شبكة واحدة تملكها شركة خاصة قادرة على توفير اتصال سريع ومنتشر عالمياً، فسيكون من المغري للحكومات استخدامها. لكن كلما زاد الاعتماد عليها، زادت المخاطر السياسية والاستراتيجية.

الأرقام: ماذا نعرف عن استخدام بريطانيا لـ Starlink؟

وفق رد حكومي بريطاني على طلب حرية معلومات تقدمت به رويترز في مايو 2025، بدأ الجيش البريطاني استخدام ستارلينك في يوليو 2022، وكان لديه نحو 1000 محطة بحلول ربيع العام الماضي. هذه الأرقام تعكس أن الاستخدام البريطاني للشبكة لم يكن رمزياً أو محدوداً للغاية، بل أصبح جزءاً ملموساً من أدوات الاتصال لدى القوات البريطانية.

كما نقلت تقارير بريطانية وأوكرانية أن وزارة الدفاع البريطانية أنفقت نحو 16.6 مليون جنيه إسترليني على ستارلينك خلال نحو أربع سنوات، بما في ذلك دعم اتصالات في أوكرانيا. هذا الرقم لا يتعلق مباشرة بـ ستارشيلد، لكنه يعطي مؤشراً على أن الاتصالات الفضائية التجارية أصبحت بنداً مالياً حقيقياً في إنفاق الدفاع البريطاني، وليست مجرد تجربة تقنية محدودة.

أما تكلفة ستارشيلد نفسها بالنسبة لبريطانيا فلا تزال غير واضحة. نقلت رويترز عن أحد المصدرين أن التكلفة أعلى قليلاً فقط من ستارلينك ، وأن وزارة الدفاع البريطانية تستخدم موزعين من أطراف ثالثة بدلاً من التعاقد مباشرة مع SpaceX. هذا التفصيل مهم لأن الشراء عبر موزعين قد يجعل التكاليف أقل شفافية، لكنه يمنح الوزارة مرونة في إدارة العقود والمشتريات.

ماذا يعني ذلك لسوق الاتصالات العسكرية؟

دخول ستارشيلد إلى الاستخدام البريطاني يعكس تحولاً أوسع في سوق الاتصالات العسكرية عبر الأقمار الصناعية. تاريخياً، اعتمدت الجيوش الكبرى على أقمار عسكرية حكومية باهظة الثمن، مثل شبكات الاتصالات البريطانية والأميركية المخصصة للدفاع. لكن صعود الشبكات التجارية منخفضة المدار خلق خياراً جديداً: الحصول على تغطية واسعة وسريعة من بنية تحتية تجارية يجري تحديثها وإطلاق أقمارها بوتيرة أسرع من البرامج الحكومية التقليدية.

هذا التحول قد يخفض بعض التكاليف على المدى القصير، لأنه يسمح للجيوش بشراء خدمة جاهزة بدلاً من بناء شبكة كاملة من الصفر. لكنه قد يرفع المخاطر على المدى الطويل إذا أصبحت الجيوش تعتمد على مورد واحد أو شركة واحدة في اتصالات حساسة. بمعنى آخر، قد يكون ستارشيلد أرخص وأسرع من بناء شبكة وطنية موازية، لكنه يخلق علاقة اعتماد عميقة مع SpaceX.

من منظور السوق، قد يكون هذا الخبر إشارة قوية إلى أن Starshield يتحول من منتج مخصص للحكومة الأميركية إلى خدمة قابلة للتوسع بين الحلفاء. إذا تبعتها دول أخرى في الناتو، فقد تتحول SpaceX إلى لاعب مركزي في سوق الاتصالات العسكرية الغربية، ليس فقط عبر إطلاق الأقمار، بل عبر تشغيل طبقة الاتصال نفسها.

SpaceX قبل الاكتتاب: الدفاع قد يصبح جزءاً من القصة المالية

يأتي هذا الخبر في توقيت حساس بالنسبة إلى SpaceX، التي قالت رويترز إنها تستعد للاكتتاب العام بتقييم يتجاوز 1.5 تريليون دولار في 12 يونيو 2026. إذا تم الطرح بهذا الحجم، فإن ستارلينك وستارشيلد  سيكونان جزءاً أساسياً من القصة التي ستُعرض على المستثمرين: شبكة تجارية ضخمة تدر إيرادات، ونسخة حكومية عسكرية أعلى قيمة يمكن أن توسع عقود الدفاع والاستخبارات.

بالنسبة للمستثمرين، ستارشيلد قد تكون أكثر جاذبية من ستارلينك من حيث الهامش والقيمة الاستراتيجية، لأن الحكومات تدفع عادة مقابل الأمان والاعتمادية والقدرات الخاصة. لكن هذه السوق تحمل أيضاً مخاطر سياسية. فعندما تصبح خدمات الشركة جزءاً من عمليات عسكرية، فإنها تدخل في مناطق حساسة تشمل الحروب، والعقوبات، وقرارات الاستخدام، والضغط الحكومي، والجدل العام.

وهنا تكمن المفارقة. SpaceX تريد التمييز بين ستارلينك التجاري وستارشيلد  العسكري، لكنها في الوقت نفسه تستفيد من حقيقة أن الحرب الحديثة أثبتت قيمة الاتصال الفضائي منخفض المدار. كلما زاد استخدام الجيوش لهذه الشبكات، زادت أهمية الشركة وربما تقييمها، لكن زادت أيضاً الأسئلة حول نفوذ شركة خاصة في قرارات اتصال عسكرية حيوية.

أوكرانيا صنعت السوق العسكري الحقيقي

لم يكن صعود ستارلينك عسكرياً ليحدث بهذا الوضوح لولا حرب أوكرانيا. بعد الغزو الروسي في فبراير 2022، تحولت الشبكة إلى أداة حاسمة للاتصالات في ساحة المعركة، خصوصاً عندما تعرضت البنية التحتية الأرضية الأوكرانية للضربات والتشويش. استخدمت القوات الأوكرانية الخدمة للاتصال الميداني، وتبادل البيانات، ودعم بعض عمليات الطائرات المسيرة.

لكن هذه التجربة كشفت حدود الاعتماد على خدمة تجارية. في 2023، قالت جوين شوتويل، رئيسة SpaceX، إن الشركة حدّت من استخدام ستارلينك في أوكرانيا لأغراض هجومية. كما حاولت الشركة وقف ما وصفته بالاستخدام غير المصرح به من جانب القوات الروسية. هذه الوقائع جعلت الجيوش تفهم أن الاتصال الفضائي التجاري ليس مجرد أداة تقنية، بل ملف سياسي وعملياتي حساس.

من هذه الزاوية، يمكن فهم انتقال بريطانيا إلى ستارشيلد كجزء من درس أوكرانيا. إذا كانت الخدمة ستُستخدم في بيئة عسكرية حقيقية، فلا بد أن تكون هناك نسخة مصممة لهذه البيئة، بعقود وشروط وأمان وتوقعات مختلفة عن الخدمة التجارية.

بولندا وهولندا ودول الناتو: الاستخدام يتوسع لكن بحذر

بحسب رويترز، اعتمدت وزارات دفاع أخرى ستارلينك لاستخدامات عسكرية أو غير قتالية، مثل الوصول إلى الإنترنت وإجراء مكالمات الفيديو في المناطق النائية. في بولندا، وهي من أبرز الداعمين لوصول أوكرانيا إلى ستارلينك، قال الجيش إنه استخدم الخدمة إلى جانب أنظمة اتصالات عسكرية وتجارية أخرى عبر الأقمار الصناعية. أما وزارة الدفاع الهولندية فقالت إن لديها عدداً محدوداً من محطات ستارلينك، وإن معظم احتياجاتها تُلبى عبر أنظمة أخرى، لكنها رفضت توضيح ما إذا كانت تُستخدم في العمليات.

هذا الحذر مفهوم. الدول لا تريد الإعلان الكامل عن طريقة استخدام الاتصالات الفضائية في العمليات العسكرية، لأن هذه المعلومات قد تكشف قدرات أو نقاط ضعف. لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع تجاهل أن الشبكات التجارية أصبحت واقعاً في الجيوش الحديثة.

من المرجح أن نشهد خلال السنوات المقبلة نموذجاً مختلطاً داخل الناتو، حيث تستمر الجيوش في استخدام أقمارها العسكرية التقليدية، وتضيف إليها خدمات تجارية مثل ستارلينك للمهام غير الحساسة، وخدمات مؤمنة مثل ستارشيلد للمهام العملياتية. هذا النموذج يمنح مرونة أكبر، لكنه يتطلب قواعد صارمة لمنع الاعتماد الزائد على مورد واحد.

المخاطر: ماذا لو أصبحت شركة واحدة بوابة الحرب؟

أكبر سؤال استراتيجي في قصة ستارشيلد هو الاعتماد. إذا أصبحت الاتصالات العسكرية في عدة دول تعتمد بشكل متزايد على شبكة تملكها شركة خاصة يقودها شخص واحد مثل إيلون ماسك، فإن هذا يخلق تحدياً غير تقليدي للدول. في الماضي، كانت الاتصالات العسكرية بنية سيادية بالكامل. أما اليوم، فقد تصبح جزءاً من عقود مع شركة تجارية عالمية.

هذا لا يعني أن SpaceX غير موثوقة، بل يعني أن طبيعة العلاقة تغيرت. الحكومات تحتاج إلى ضمانات حول استمرارية الخدمة، وحدود الاستخدام، والسيطرة في الأزمات، والتسعير، والامتثال للقوانين، ومن يملك القرار النهائي إذا تعارضت المصلحة التجارية مع الحاجة العسكرية.

كما أن الشبكات منخفضة المدار نفسها قد تصبح أهدافاً في أي حرب كبرى. الخصوم قد يحاولون التشويش عليها، أو مهاجمة محطاتها الأرضية، أو استهداف الأقمار، أو استخدام هجمات سيبرانية على أنظمة التحكم. لذلك، فإن قوة Starshield لا تعني أنها بلا نقاط ضعف. الاعتماد عليها يجب أن يكون ضمن طبقات متعددة، لا كبديل وحيد عن الاتصالات العسكرية السيادية.

الجانب التقني: لماذا المدار المنخفض مهم عسكرياً؟

تعمل شبكات مثل ستارلينك وستارشيلد  في المدار الأرضي المنخفض، وهو ما يمنحها زمناً أقل في نقل البيانات مقارنة بالأقمار الأعلى. في العمليات العسكرية، انخفاض زمن التأخير يمكن أن يكون مهماً جداً، خصوصاً عند استخدام الفيديو المباشر، أو التحكم بمنظومات بعيدة، أو تبادل البيانات بين وحدات منتشرة.

كما أن العدد الكبير من الأقمار يمنح الشبكة مرونة أعلى. إذا فشل قمر أو تعرض للتشويش، يمكن نظرياً إعادة توجيه الاتصال عبر أقمار أخرى. هذه البنية الموزعة تختلف عن الأقمار التقليدية الكبيرة التي قد يمثل كل واحد منها نقطة حساسة للغاية.

لكن العدد الكبير لا يلغي الخطر. في مواجهة قوة كبرى، قد تتعرض الشبكات الفضائية لحرب إلكترونية وهجمات سيبرانية وتشويش واستهداف مداري. لذلك، فإن ستارشيلد قد تقدم طبقة قوية من الاتصال، لكنها ستظل جزءاً من معركة أوسع حول السيطرة على الفضاء والبيانات.

لماذا الخبر مهم لبريطانيا؟

بالنسبة إلى بريطانيا، استخدام ستارشيلد يعكس رغبة في الحفاظ على قدرة اتصال مرنة وسريعة في مناطق الانتشار البعيد. الجيش البريطاني يعمل مع الناتو، ويدعم أوكرانيا، ويشارك في عمليات عالمية، ويحتاج إلى اتصالات موثوقة في مناطق قد لا تكون فيها البنية الأرضية موجودة أو آمنة.

كما أن الخطوة قد تعكس استعداداً أوسع لاستخدام الحلول التجارية في الدفاع، خصوصاً عندما تكون أسرع من البرامج الحكومية التقليدية. بريطانيا، مثل دول غربية أخرى، تواجه ضغطاً على ميزانية الدفاع، وتحتاج إلى تحديث قدراتها بسرعة. شراء خدمة جاهزة مثل ستارشيلد قد يكون أسرع من بناء شبكة وطنية جديدة، لكنه يضعها أيضاً أمام سؤال السيادة الرقمية والعسكرية.

ماذا يمكن أن نرى بعد ذلك؟

من المرجح أن تتوسع ستارشيلد بين حلفاء الولايات المتحدة، خصوصاً الدول التي تحتاج إلى اتصال عسكري سريع دون بناء شبكة أقمار مستقلة. قد تكون دول الناتو أول المرشحين، خاصة تلك التي تعمل في أوروبا الشرقية أو تدعم أوكرانيا أو تحتاج إلى اتصالات ميدانية في مناطق بعيدة.

قد نرى أيضاً حزم شراء مختلفة تفصل بين الاستخدامات غير القتالية عبر ستارلينك والاستخدامات العملياتية عبر ستارشيلد . وهذا قد يصبح معياراً جديداً في الجيوش الغربية: ستارلينك للاتصال العام والرفاه الميداني والإدارة، وستارشيلد  للاتصالات الحساسة والعمليات.

كما قد تضطر الحكومات إلى صياغة عقود أكثر صرامة مع SpaceX، تشمل ضمانات الخدمة في الحرب، وتحديد الأسعار، وتوضيح حدود الاستخدام، ومنع توقف الخدمة لأسباب تجارية أو سياسية خلال الأزمات. هذا سيكون ضرورياً لأن الاتصال العسكري لا يمكن أن يعمل بمنطق خدمات الإنترنت العادية.

استخدام بريطانيا لشبكة ستارشيلد التابعة لـ SpaceX يمثل تحولاً واضحاً في طبيعة الاتصالات العسكرية الغربية. لم تعد الجيوش تعتمد فقط على أقمار حكومية ضخمة وبطيئة التطوير، بل بدأت تدخل في شراكات مع شركات تملك شبكات فضائية عالمية وسريعة التوسع.

الفائدة واضحة: اتصال أسرع، انتشار أوسع، مرونة أكبر، وربما تكلفة أقل من بناء بنية سيادية كاملة من الصفر. لكن الخطر واضح أيضاً: اعتماد متزايد على شركة خاصة في مجال شديد الحساسية، وأسئلة حول السعر والسيطرة والاستمرارية واستخدام الشبكة في الحرب.

في النهاية، ستارشيلد ليست مجرد نسخة عسكرية من ستارلينك، بل نموذج جديد لعلاقة الجيوش مع شركات الفضاء الخاصة. وإذا أصبحت بريطانيا من أوائل الدول التي تستخدمها خارج الولايات المتحدة، فقد تكون هذه بداية مرحلة يصبح فيها المدار الأرضي المنخفض جزءاً أساسياً من البنية العصبية للعمليات العسكرية الحديثة.

المصدر: رويترز

اقرأ أيضاً