بدأت أميركا ودول حليفة دراسة إمكانية استخدام درونات اعتراض منخفضة التكلفة طورتها أوكرانيا لمواجهة الطائرات المسيرة من طراز شاهد (Shahed) الإيرانية، في خطوة تعكس تحولاً في طريقة التفكير حول الدفاع الجوي الحديث.
خلال السنوات الأربع من الحرب مع روسيا، تحولت أوكرانيا إلى ما يشبه مختبراً ميدانياً لتطوير تقنيات الدرونز، حيث اضطر المهندسون والشركات الناشئة إلى ابتكار حلول دفاعية رخيصة لمواجهة أسراب الطائرات المسيرة التي تستخدمها موسكو.
اليوم، ومع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط وتزايد استخدام الدرونز الانتحارية، بدأت الجيوش الغربية تنظر إلى التجربة الأوكرانية باعتبارها نموذجاً عملياً لمواجهة هذه التهديدات بتكلفة أقل بكثير من الأنظمة التقليدية.
مشكلة التكلفة في الدفاع الجوي
تعاني أنظمة الدفاع الجوي التقليدية من مشكلة كبيرة تعرف باسم عدم التوازن في التكلفة (Cost Asymmetry)، حيث يتم استخدام صواريخ دفاعية باهظة الثمن لاعتراض طائرات مسيرة رخيصة.
في إحدى المواجهات الأخيرة، تم إطلاق أكثر من 800 صاروخ باتريوت (Patriot) خلال ثلاثة أيام فقط لاعتراض هجمات صاروخية ومسيرات، في حين قد يصل سعر الصاروخ الواحد إلى أكثر من 10 ملايين دولار.
في المقابل، يمكن تصنيع بعض الطائرات المسيرة الهجومية بتكلفة لا تتجاوز بضعة آلاف من الدولارات.
هذا الفارق الكبير دفع البنتاجون (Pentagon) إلى البحث عن حلول أرخص لاعتراض الطائرات المسيرة قبل أن تضطر أنظمة الدفاع الصاروخي للتعامل معها.
درونات اعتراض أوكرانية بسعر 1000 دولار
طورت الشركات الأوكرانية جيلاً جديداً من درونات الاعتراض (Interceptor Drones) القادرة على مطاردة الطائرات المسيرة المعادية وإسقاطها عبر الاصطدام المباشر أو التفجير القريب.
ووفقاً للتقارير، يمكن تصنيع بعض هذه الدرونات بتكلفة تتراوح بين 1000 دولار وعدة آلاف من الدولارات فقط.
ويتم إنتاج هذه الأنظمة عبر شبكة شركات ناشئة مرتبطة بمنصة بريف وان (Brave1)، وهي مركز تكنولوجي دفاعي أطلقته الحكومة الأوكرانية عام 2023 لتسريع تطوير الابتكارات العسكرية.
أنظمة أوكرانية تجذب اهتمام العالم
تعتمد معظم درونات الاعتراض الأوكرانية على تصميمات خفيفة وسريعة مستوحاة من درونات السباق (FPV Racing Drones). هذه المنصات قادرة على تحقيق تسارع مرتفع وقدرة مناورة كبيرة، وهو أمر ضروري لاعتراض أهداف صغيرة وسريعة مثل الطائرات المسيرة الهجومية.
غالباً ما تستخدم هذه الأنظمة:
-
محركات كهربائية عالية السرعة (High‑RPM Brushless Motors)
-
بطاريات ليثيوم بوليمر LiPo عالية التفريغ
-
أنظمة توجيه بصري Computer Vision
-
كاميرات حرارية Thermal Cameras للعمل ليلاً
-
روابط بيانات رقمية منخفضة الكمون Low‑Latency Data Links
كما يتم توجيه العديد من هذه الدرونات عبر طيار بشري باستخدام نظارات FPV في المرحلة النهائية من الاعتراض، ما يسمح بتنفيذ هجوم اصطدام مباشر Kinetic Intercept بسرعة عالية.
أحد أبرز هذه الأنظمة هو Sting الذي تطوره مجموعة Wild Hornets. تبلغ تكلفة الدرون نحو 2500 دولار ويمكنه الوصول إلى سرعة تقارب 195 ميلاً في الساعة (حوالي 315 كم/س) باستخدام كاميرات حرارية وتقنيات الاستهداف المدعوم بالذكاء الاصطناعي (AI‑assisted targeting) لاعتراض الطائرات المعادية.
يستخدم الدرون هيكلاً خفيفاً مصنوعاً من ألياف الكربون (Carbon Fiber Frame) مع أنظمة استقرار تعتمد على وحدات القياس بالقصور الذاتي IMU وأنظمة الملاحة GPS/GLONASS.
كما يجذب نظام P1-SUN الذي تطوره شركة SkyFall اهتماماً كبيراً، وهو درون اعتراض يعتمد على هيكل خفيف مطبوع بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد (3D Printing) ويستخدم الرؤية الحاسوبية (Computer Vision) والتصوير الحراري لتعقب الأهداف.
تبلغ تكلفة هذا النظام حوالي 1000 دولار للوحدة الواحدة، ما يجعله أرخص بكثير من أي صاروخ دفاع جوي.
ويقال إن هذا النظام تمكن من إسقاط أكثر من 1500 طائرة شاهد إضافة إلى نحو 1000 طائرة مسيرة أخرى خلال بضعة أشهر من استخدامه.
كما يجري تطوير أنظمة أخرى مثل:
-
Octopus interceptor القادر على العمل على ارتفاع يصل إلى 4500 متر
-
Merops interceptor الذي يعتمد على الذكاء الاصطناعي للملاحة الذاتية مع معدل إصابة يقترب من 95٪ في الاختبارات.
لماذا يصعب اعتراض طائرات شاهد الإيرانية؟
تعتبر الطائرات المسيرة من طراز شاهد (Shahed‑136 / Geran‑2) من أصعب الأهداف بالنسبة لأنظمة الدفاع الجوي التقليدية رغم بساطة تصميمها.
ويرجع ذلك إلى عدة عوامل تقنية.
أولاً، تمتلك هذه الدرونات بصمة رادارية صغيرة (Low Radar Cross Section) بسبب هيكلها المصنوع من مواد مركبة وألياف زجاجية، ما يجعل اكتشافها عبر الرادارات العسكرية التقليدية أكثر صعوبة.
ثانياً، تطير طائرات شاهد عادة على ارتفاعات منخفضة جداً تتراوح بين 60 و120 متراً فوق سطح الأرض، وهو ما يسمح لها بالاختباء خلف التضاريس والمباني فيما يعرف بتأثير حجب الرادار Radar Masking.
ثالثاً، تبلغ سرعتها حوالي 185 كم/س فقط، وهي سرعة بطيئة نسبياً مقارنة بالصواريخ. هذا الأمر يخلق مشكلة لأن العديد من أنظمة الدفاع الجوي المصممة لاعتراض الصواريخ ليست مهيأة لتتبع أهداف بطيئة وصغيرة.
كما تعتمد هذه الطائرات على محرك مكبس بسيط Two‑Stroke Engine ينتج بصمة حرارية منخفضة نسبياً مقارنة بالطائرات النفاثة، ما يصعّب اكتشافها بواسطة أنظمة الأشعة تحت الحمراء IR Sensors.
ومن الناحية التكتيكية يتم إطلاق هذه الدرونات غالباً في أسراب كبيرة Swarms قد تتجاوز 20 إلى 50 طائرة في الهجوم الواحد، ما يؤدي إلى إغراق أنظمة الدفاع الجوي بعدد كبير من الأهداف.
كما يمكن لهذه الدرونات الطيران لمسافة تصل إلى 2000 كيلومتر مع رأس حربي يزن نحو 30 إلى 50 كغ، ما يجعلها سلاحاً فعالاً لضرب البنية التحتية.
بسبب هذه الخصائص، فإن استخدام صواريخ دفاع جوي باهظة الثمن لاعتراض كل طائرة شاهد يمثل مشكلة اقتصادية كبيرة، وهو ما دفع الجيوش إلى البحث عن حلول مثل درونات الاعتراض منخفضة التكلفة.
طبقة جديدة في الدفاع الجوي
تضيف هذه الدرونات طبقة جديدة إلى مفهوم الدفاع الجوي متعدد الطبقات (Layered Air Defense).
في هذا النموذج يتم استخدام درونات اعتراض رخيصة للتعامل مع الطائرات المسيرة البطيئة، بينما يتم الاحتفاظ بالصواريخ باهظة الثمن لمواجهة الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز.
هذا النهج يسمح بتقليل تكلفة الدفاع بشكل كبير ويزيد من قدرة الجيوش على مواجهة أسراب الدرونز.
أوكرانيا كمختبر عالمي لحرب الدرونز
أصبحت أوكرانيا واحدة من أكثر الدول خبرة في العالم في مجال حرب الدرونز نتيجة القتال المستمر منذ عام 2022.
وتشير التقارير إلى أن الشركات الأوكرانية قادرة حالياً على إنتاج عشرات الآلاف من درونات الاعتراض شهرياً، وهو ما يفتح الباب أمام تصدير هذه التكنولوجيا إلى دول أخرى.
كما أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن كييف أرسلت خبراء في مجال الدرونز إلى عدة دول في الشرق الأوسط للمساعدة في الدفاع عن قواعد عسكرية ضد الهجمات بالطائرات المسيرة.
تحليل عسكري: مستقبل الدفاع الجوي منخفض التكلفة
تشير التجربة الأوكرانية إلى أن مستقبل الدفاع الجوي قد يعتمد بشكل متزايد على أنظمة رخيصة وقابلة للإنتاج السريع بدلاً من الاعتماد الكامل على الصواريخ المتطورة.
ومع انتشار حرب الدرونز في الصراعات الحديثة، قد يصبح استخدام درونات الاعتراض أحد أهم عناصر الدفاع الجوي في العقود القادمة.
ويرى محللون عسكريون أن الدروس المستفادة من الحرب في أوكرانيا قد تعيد تشكيل استراتيجيات الدفاع الجوي لدى العديد من الجيوش حول العالم.
المصدر: رويترز


