الخلفية:

“الأسطول الذهبي”.. رهـان أميركي جديد لكسر التفوق العددي للبحرية الصينية

تعمل الولايات المتحدة على دراسة مشروع بحري ضخم يحمل اسم “الأسطول الذهبي“، يقوم على جيل جديد من السفن الحربية الثقيلة والمنصات المسيرة، بهدف استعادة التفوق البحري في مواجهة التوسع المتسارع للبحرية الصينية. ويأتي هذا المشروع في لحظة توتر استراتيجي عميق، إذ تمتلك الصين اليوم اكبر اسطول من حيث عدد القطع البحرية في العالم بحوالي 234 سفينة حربية، مقابل نحو 219 سفينة للبحرية الأميركية، مع توسع في الغواصات، والمدمرات، وحاملات الطائرات، وقدرات الصواريخ الباليستية المضادة للسفن.

المشروع الذي يتم تداوله داخل دوائر البحرية الاميركية والبيت الابيض يحمل في جوهره فكرة بسيطة لكنها ثورية: بناء مجموعة من “البوارج الحديثة” الضخمة المزودة بصواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، وربطها بشبكة واسعة من السفن الصغيرة والمنصات غير المأهولة، لتشكيل قوة ضاربة قادرة على العمل في بيئات مهددة بصواريخ الصين واسلحتها “المضادة للدخول”.

من يقود مشروع “الأسطول الذهبي”؟

يرتبط اسم “الأسطول الذهبي” مباشرة بالرئيس الاميركي “دونالد ترامب” الذي طرح الفكرة كجزء من رؤيته لاستعادة الهيمنة البحرية الاميركية. وتفيد تقارير اميركية بان ترامب ناقش شخصيا تفاصيل المشروع مع قيادات من البحرية الاميركية، وانتقد تصاميم السفن الحالية، ودفع في اتجاه تبني مفهوم اكثر جرأة يقوم على سفن اكبر حجما واشد تسليحا.

يلعب مسؤولون في “البنتاجون” و”البحرية الاميركية” و”مجلس الامن القومي” دورا محوريا في بلورة ملامح الفكرة، بينما يقدم خبراء مراكز الابحاث مثل “معهد هدسون” تحليلات تقنية حول الجدوى والبدائل. ويعد “برايان كلارك“، وهو ضابط بحرية متقاعد وزميل بارز في المعهد، احد ابرز الاصوات التي شاركت في نقاش مفهوم “الاسطول الذهبي”، خصوصا حول كيفية الجمع بين سفن ضخمة ومنصات مسيرة موزعة.

مواصفات السفن.. “بوارج صواريخ” بوزن يصل إلى 20 ألف طن

تستند الفكرة الاساسية الى تطوير فئة جديدة من السفن الحربية الكبيرة يتراوح وزنها بين 15000 و 20000 طن، ما يجعلها اثقل بكثير من مدمرات فئة “Arleigh Burke” التي يبلغ ازاحتها في حدود 9500 طن، وطرادات فئة “Ticonderoga” التي تدور حول 9800 طن تقريباً.

هذه السفن المستقبلية توصف احيانا بكونها “بوارج صواريخ“، اذ يجري تصورها مزودة بما يلي:

قدرات حمل اعداد كبيرة من الصواريخ الباليستية وصواريخ الكروز وصواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، باشكال تجعلها قادرة على تنفيذ ضربات من مسافات تتجاوز 1500 او حتى 2000 كيلومتر بحسب النسخ المستقبلية.

انظمة دفع كهربائي متكامل لتوفير طاقة ضخمة للرادارات الحديثة، وانظمة الحرب الالكترونية، واحتمال دمج اسلحة طاقة موجهة مثل الليزر عالي الطاقة في مراحل لاحقة.

منظومات رادار متقدمة من فئة “AESA” متعددة الاغراض، قادرة على كشف وتتبع اهداف جوية وبحرية وفرط صوتية على مدى طويل.

هيكل مدرع نسبيا اكثر من المدمرات الحالية، مع تصميم يقلل البصمة الرادارية قدر الامكان، رغم تحدي الحجم الكبير.

الاسطول الذهبي.. بين السفن العملاقة والمنصات المسيرة

لا يتوقف مفهوم “الاسطول الذهبي” عند السفن الثقيلة فقط، بل يتضمن ايضا الاعتماد على اعداد كبيرة من:

سفن سطحية صغيرة وسريعة مثل الكورفيتات، تعمل في تشكيلات مرافقة او مستقلة.

منصات غير مأهولة فوق السطح وتحت الماء، تستخدم للاستطلاع، والحرب المضادة للغواصات، وحمل صواريخ اضافية، وتشكيل ما وصفه بعض المخططين بـ”القوة الاحتياطية الروبوتية” التي يمكن الدفع بها في بداية اي صراع لامتصاص الضربات الاولى وتشتيت نيران العدو.

ويشير بعض المنظرين البحريين الى ان البحرية الاميركية تفكر في نموذج “الاسطول على شكل ثقلين” حيث يتم الجمع بين عدد يتراوح بين 280 و 300 سفينة مأهولة، مدعومة باسطول كبير من السفن المسيرة التي تغطي الفجوة بين الاحتياجات اليومية واحتياجات الحرب الفعلية.

لماذا ترى واشنطن ان المشروع ضروري؟

توسع البحرية الصينية خلال العقدين الماضيين كان لافتا ومستمرا. فالى جانب امتلاكها اكبر اسطول من حيث عدد القطع، تعمل بكين على تطوير حاملات طائرات جديدة، ومدمرات ثقيلة، وغواصات نووية، وترسانة صواريخ بعيدة المدى. من بين هذه الاسلحة صواريخ “DF-21D” و”DF-26” الباليستية المضادة للسفن، التي توصف احيانا بـ”قاتلة حاملات الطائرات“.

هذه الصواريخ يمكن ان تحمل رؤوسا تقليدية او نووية، وتقدر بعض الدراسات مداها بمئات الكيلومترات وقد تصل الى ما يزيد على 3000 كيلومتر بالنسبة لبعض نسخ “DF-26”، ما يسمح نظريا بضرب قواعد اميركية مثل “غوام” او استهداف حاملات طائرات من فئة “Ford” في مناطق بعيدة نسبيا عن السواحل الصينية.

في هذا السياق، ترى واشنطن ان الاعتماد على حاملات الطائرات وحدها لم يعد كافيا، وان المطلوب هو منصات بحرية قادرة على اطلاق ضربات صاروخية من مسافات ابعد، مع قدرة افضل على الصمود في بيئات مليئة بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة.

التكاليف والميزانيات.. مشروع ثقيل في زمن الضغوط المالية

حتى الآن، لا توجد ارقام رسمية نهائية حول التكلفة الاجمالية لمشروع “الاسطول الذهبي“، اذ لا يزال في مرحلة الدراسات والتصاميم المفاهيمية. لكن تقديرات غير رسمية تستند الى تجارب سابقة تشير الى ان تكلفة تطوير وبناء فئة جديدة من السفن الثقيلة قد تصل الى عشرات مليارات الدولارات على مدى 10 الى 15 عاما، خصوصا اذا شمل البرنامج تحديث البنية التحتية للاحواض وبناء منصات مسيرة داعمة.

التحدي الاكبر يكمن في قدرة احواض بناء السفن الاميركية على تنفيذ مشروع بهذا الحجم، في وقت تعاني فيه من محدودية الطاقة الانتاجية وتأخيرات مزمنة في تسليم المدمرات والفرقاطات الحالية، الى جانب ارتفاع تكاليف العمالة والمواد.

الجدول الزمني المتوقع.. بداية في نهاية العقد

مع ان المشروع لا يزال في طور النقاش، تشير تحليلات دفاعية الى ان تصميم سفينة جديدة بالكامل قد يستغرق بين 5 و 7 سنوات، تليها فترة بناء واختبار قد تمتد من 3 الى 5 سنوات اخرى. هذا يعني ان اول سفن “الاسطول الذهبي”، في حال اعتماد التمويل والبرنامج رسميا خلال السنوات القليلة المقبلة، قد لا تدخل الخدمة الفعلية قبل اواخر هذا العقد او مطلع العقد المقبل.

في المقابل، يمكن للبحرية الاميركية ان تبدأ بشكل اسرع في دفع منصات مسيرة وكورفيتات جديدة الى الخدمة، عبر شراكات محتملة مع احواض بناء سفن لدى حلفاء مثل كوريا الجنوبية التي تمتلك قدرات صناعية متقدمة في بناء السفن واصلاحها.

تأثير المشروع على التوازن البحري العالمي

اذا تم تنفيذ “الاسطول الذهبي” وفق التصور المطروح، فمن المرجح ان يشكل نقلة نوعية في ادوات الردع الاميركية ضد الصين وروسيا، اذ سيجمع بين:

سفن قادرة على اطلاق صواريخ بعيدة المدى من اعماق المحيط.

شبكات استشعار وقيادة وسيطرة متقدمة تربط السفن المأهولة بالمنصات الروبوتية.

قدرة على الانتشار السريع في المحيطين الهندي والهادئ، مع استمرار حضور في الشرق الاوسط والمحيط الاطلسي.

على الجانب الاخر، قد يدفع المشروع الصين الى تسريع برامجها الخاصة لتطوير صواريخ اكثر تطورا، وغواصات شبحية، وسفن كبيرة مثل حاملة الطائرات “فوجيان” التي تشير تقارير غربية الى انها تمثل قفزة نوعية في قدرات بكين البحرية.

ما الذي يعنيه ذلك للدول الاقليمية؟

من منظور الشرق الاوسط والخليج، فان مشروع مثل “الاسطول الذهبي” يعني ان البحرية الاميركية ستظل لاعبا مركزيا في حماية خطوط الملاحة، وخصوصا في البحر العربي والمحيط الهندي، في مواجهة اي محاولات صينية او روسية لتوسيع النفوذ البحري في هذه المناطق.

كما يمكن ان يفتح المشروع فرص تعاون صناعي مع دول تمتلك قدرات في بناء السفن او تصنيع المكونات، سواء في اوروبا او اسيا، وربما حتى مع بعض الدول العربية التي تسعى لبناء قواعد صناعية دفاعية.

في النهاية، يبقى “الاسطول الذهبي” حتى الآن مشروعا طموحا على الورق، لكن مجرد طرحه يعكس ادراكا اميركيا واضحا بان زمن الهيمنة البحرية المضمونة انتهى، وان الحفاظ على موقع متقدم في عصر المنافسة مع الصين يتطلب افكارا جذرية، واستثمارات ضخمة، وتحالفات بحرية اوسع.

المصدر: Breaking Defense

اقرأ أيضاً