رويترز ترسم صورة أكثر هدوءا للواقع الفعلي للذكاء الاصطناعي داخل الشركات، بعد سنوات من الوعود بثورة إنتاجية غير مسبوقة. فبينما اندفعت المؤسسات الكبرى والصغرى إلى ضخ استثمارات ضخمة في تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي منذ ظهور ChatGPT، لا تزال الغالبية تكافح لتحويل هذه الاستثمارات إلى أرباح ملموسة أو مكاسب تشغيلية واضحة.
ثورة متوقعة لم تتحقق بعد
منذ الانفجار الأول لتقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي قبل ثلاث سنوات، سارعت الشركات إلى إدماج هذه الأدوات في منتجاتها وخدماتها. لكن مقابلات مع مدراء تنفيذيين ومستشارين، إلى جانب نتائج سبعة استطلاعات حديثة شملت مسؤولين وموظفين، تشير إلى أن العائد على الاستثمار ما زال محدودا للغاية.
دراسة أجرتها شركة الأبحاث والاستشارات Forrester Research خلال الربع الثاني من العام شملت 1576 مديرا تنفيذيا أظهرت أن 15 في المئة فقط سجلوا تحسنا في هوامش الأرباح بفضل الذكاء الاصطناعي خلال العام الماضي. في المقابل، وجدت شركة BCG أن 5 في المئة فقط من أصل 1250 مديرا تنفيذيا رأوا قيمة واسعة النطاق من استخدام الذكاء الاصطناعي.
التوقعات تتغير وخطط الإنفاق تتباطأ
رغم استمرار الإيمان بأن الذكاء الاصطناعي سيغير الأعمال على المدى الطويل، بدأ التنفيذيون يعيدون تقييم سرعة هذا التحول. Forrester تتوقع أن تؤجل الشركات نحو 25 في المئة من إنفاقها المخطط على الذكاء الاصطناعي لمدة عام إضافي بحلول عام 2026.
براين هوبكنز المحلل في Forrester قال إن شركات التكنولوجيا ضخمت وتيرة التغيير المتوقعة، مضيفا أن البشر والمؤسسات لا يتغيرون بالسرعة نفسها التي تتغير بها التقنيات.
استثمارات هائلة ومخاطر فقاعة جديدة
كل ذلك يأتي في وقت تشهد فيه صناعة التكنولوجيا استثمارات غير مسبوقة في الرقائق، ومراكز البيانات، والبنية التحتية للطاقة. خبراء يحذرون من أن فشل الشركات في استخدام الذكاء الاصطناعي لزيادة الإيرادات أو تسريع الابتكار قد يجعل هذا التوسع أشبه بفقاعة شبيهة بانفجار شركات الإنترنت في أوائل الألفية.
حين يفشل الذكاء الاصطناعي في المهام البسيطة
التحديات لم تقتصر على العائد المالي. شركات عديدة اصطدمت بمشكلات عملية غير متوقعة. تطبيق CellarTracker المتخصص في إدارة مجموعات النبيذ طور مساعدا ذكيا لتقديم توصيات صريحة، لكنه كان “لطيفا أكثر من اللازم”، بحسب المدير التنفيذي إريك ليفين، ما استدعى ستة أسابيع من التجارب لتدريبه على قول الحقيقة حتى لو كانت سلبية.
مشكلات أخرى ظهرت في الاتساق والدقة. شركة Cando Rail and Terminals الكندية اختبرت روبوت محادثة لمراجعة تقارير السلامة، لكنه فشل في تلخيص قواعد تشغيل السكك الحديدية بدقة، أحيانا ينسى القواعد وأحيانا يخترعها، ما دفع الشركة لإيقاف المشروع بعد إنفاق 300 ألف دولار.
عودة العنصر البشري إلى الواجهة
تجارب مراكز خدمة العملاء كشفت حدود الاعتماد على الذكاء الاصطناعي. شركة المدفوعات السويدية Klarna اعترفت في عام 2025 بأن بعض العملاء يفضلون التحدث مع بشر، بعد أن كانت قد أعلنت أن روبوتها الذكي يمكنه القيام بعمل 700 موظف. ورغم تحسن الأداء لاحقا، بقي البشر جزءا أساسيا من الخدمة.
الأمر ذاته ينطبق على شركة الاتصالات Verizon التي أعادت تعزيز دور الموظفين البشريين في خدمة العملاء، مع استخدام الذكاء الاصطناعي فقط لتصفية المكالمات والمهام الروتينية، فيما تبقى القضايا المعقدة بيد البشر.
حدود القدرات والحدود المتعرجة
باحثون يصفون قدرات الذكاء الاصطناعي بما يسمى “الحدود المتعرجة”، حيث يمكن للنماذج التفوق في مسائل رياضية معقدة أو كتابة شيفرات برمجية، لكنها تفشل في مهام بسيطة مثل إدارة المواعيد. أناستاسيوس أنجيلوبولوس وصف الأمر بقوله إن الذكاء الاصطناعي قد يكون “فيراري في الرياضيات وحميرا في تنظيم الجدول الزمني”.
هذه التناقضات دفعت الشركات إلى إعادة هيكلة بياناتها، وهي عملية مكلفة ومعقدة، لأن الذكاء الاصطناعي قد يفسر أنماطا غير موجودة إذا كانت البيانات غير متناسقة.
شركات الذكاء الاصطناعي تغير استراتيجيتها
أمام هذا الواقع، بدأت شركات مثل OpenAI وAnthropic بالتركيز بشكل أكبر على عملاء الأعمال بدلا من المستخدمين الأفراد. سام ألتمان الرئيس التنفيذي لـ OpenAI قال إن سوق حلول الذكاء الاصطناعي للشركات قد تصل قيمته إلى 100 مليار دولار.
OpenAI أنشأت فرق هندسية تعمل مباشرة مع الشركات لمساعدتها على تطبيق التقنيات بشكل عملي، فيما تعتمد Anthropic على خبراء يندمجون داخل المؤسسات لفهم احتياجاتها الفعلية. شركات ناشئة متخصصة أيضا بدأت بتطوير نماذج مصممة لقطاعات محددة مثل التمويل والقانون.
الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى وقت لا إلى وعود
الخلاصة التي ترسمها رويترز أن الذكاء الاصطناعي لم يفشل، لكنه لم يصبح بعد زر الحل السريع الذي تصورته الشركات. النجاح، بحسب الخبراء، يتطلب صبرا، وتغييرا تدريجيا في العمليات، وشراكة حقيقية بين مزودي التكنولوجيا والمؤسسات، بدلا من الاكتفاء بوعود ثورية سريعة.
المصدر: رويترز


