الخلفية:

الذكاء الاصطناعي يدخل قلب المفاعلات: أقوى حاسوب في العالم يدرّب أول نموذج نووي متخصص

مفاعل نووي

في خطوة قد تعيد تشكيل مستقبل الطاقة النووية، نجحت شركة ناشئة في تدريب أول نموذج ذكاء اصطناعي متخصص حصرياً في القطاع النووي باستخدام أحد أقوى الحواسيب العملاقة على وجه الأرض، واضعة حداً لعقود من الاعتماد على الورق والبحث اليدوي داخل ملايين الوثائق التنظيمية والهندسية.

لطالما عانت صناعة الطاقة النووية من بطء الإجراءات وتعقيدها. فبناء مفاعل جديد أو حتى تمديد ترخيص تشغيل مفاعل قائم يتطلب مراجعة كميات هائلة من السجلات، تشمل لوائح تنظيمية، تقارير صيانة، وبيانات هندسية تراكمت على مدى عشرات السنين. في حالة محطة ديابلو كانيون في كاليفورنيا، تستهلك عمليات البحث داخل الوثائق وحدها ما يقارب 15 ألف ساعة عمل سنوياً.

من أزمة أوراق إلى حل حاسوبي

الحل جاء من شركة Atomic Canyon، التي استعانت بالحاسوب العملاق Frontier التابع لمختبر أوك ريدج الوطني، أول حاسوب من فئة الإكساسكيل في العالم، والقادر على تنفيذ أكثر من مليار مليار عملية حسابية في الثانية. باستخدام هذه القوة الهائلة، طوّرت الشركة منصة ذكاء اصطناعي أطلقت عليها اسم Neutron، وهي مصممة لفهم اللغة النووية الدقيقة والتعامل مع أكثر المصطلحات التقنية تعقيداً دون الوقوع في أخطاء أو “هلوسات” شائعة في نماذج الذكاء الاصطناعي العامة.

لماذا الذكاء الاصطناعي التقليدي لا يكفي؟

المشكلة لم تكن في غياب أدوات الذكاء الاصطناعي التجارية، بل في عدم قدرتها على فهم الاختصارات والمصطلحات الخاصة بالصناعة النووية. أي خطأ في التفسير قد تكون له تبعات تنظيمية أو تشغيلية خطيرة. لهذا قرر فريق Atomic Canyon بناء نموذج مخصص من الصفر، مدرّب على بيانات نووية حقيقية وبإشراف صارم.

يقول تري لاودرديل، المؤسس والرئيس التنفيذي للشركة، إن الوصول إلى مستوى الدقة المطلوب استلزم كميات هائلة من البيانات وقدرة حسابية استثنائية. ولهذا كان الاعتماد على حاسوب عملاق أمراً حتمياً.

تدريب على تاريخ نووي كامل

تم تدريب نماذج Neutron باستخدام أكثر من 3 ملايين وثيقة من قاعدة بيانات ADAMS التابعة للجنة التنظيم النووي الأميركية، والتي تحتوي على السجل الكامل لكل مفاعل نووي في الولايات المتحدة منذ عام 1980. هذا التدريب العميق مكّن الذكاء الاصطناعي من فهم السياق، وليس فقط الكلمات، ما جعله قادراً على البحث الدقيق والاستنتاج المنطقي داخل هذا الكم الهائل من المعلومات.

حتى في مراحله الأولى، أظهر النظام نتائج لافتة، حيث سجّل العاملون تحسناً كبيراً في الإنتاجية وعائداً مرتفعاً على الاستثمار، مع تقليص الزمن اللازم للوصول إلى المعلومات الحساسة من أيام أو أسابيع إلى دقائق.

محطة ديابلو كانيون كنقطة انطلاق

جاءت الفكرة أساساً من داخل محطة ديابلو كانيون، وهي آخر محطة نووية عاملة في كاليفورنيا، وتغطي نحو 8% من احتياجات الولاية من الكهرباء. بعد قرار تمديد تشغيلها حتى عام 2030، اضطرت الإدارة للتعامل مع طلبات تنظيمية ضخمة تجاوزت 3 آلاف صفحة خلال فترة زمنية ضيقة.

توضح مورين زوالِك، نائبة رئيس المحطة، أن الذكاء الاصطناعي الجديد غيّر قواعد اللعبة، إذ أصبح الوصول إلى المعلومات التنظيمية والهندسية أسرع وأكثر موثوقية في وقت كانت فيه الضغوط الزمنية في ذروتها.

مستقبل الصناعة النووية

المنصة الجديدة مصممة لخدمة كامل الأسطول النووي الأميركي، من التراخيص والتصميم، إلى الصيانة والتفكيك. ومع عودة الاهتمام بالطاقة النووية كحل لتلبية الطلب المتزايد على الكهرباء وتقليل الانبعاثات، قد يصبح هذا النوع من الذكاء الاصطناعي أداة أساسية لتسريع الإجراءات، خفض التكاليف، وتعزيز السلامة.

بهذا التطور، لا يدخل الذكاء الاصطناعي غرفة التحكم في المفاعلات، بل يدخل عقول المهندسين والمنظمين، محولاً جبال الورق إلى معرفة فورية، وممهداً الطريق لعصر نووي أكثر كفاءة وسرعة.

المصدر: Interesting Engineering

اقرأ أيضاً