أطلقت الصين مهمة جديدة لمركبتها الفضائية القابلة لإعادة الاستخدام المعروفة غير رسميا باسم شينلونغ، في رابع رحلة مدارية من هذا النوع منذ عام 2020، ضمن برنامج تجريبي عالي السرية يركز على تطوير منظومات الطيران الفضائي القابلة لإعادة الاستخدام (Reusable Spacecraft Systems). ويُنظر إلى هذا البرنامج على نطاق واسع باعتباره النظير الصيني للمركبة المدارية الأميركية إكس سبعة وثلاثين بي (X-37B) التابعة لـ قوة الفضاء الأميركية (US Space Force)، مع اختلاف في مستوى الشفافية والإفصاح التقني.
بنية الإطلاق والتكامل المداري
انطلقت المركبة إلى المدار من مركز جيوتشيوان لإطلاق الأقمار الصناعية باستخدام صاروخ لونغ مارش اثنان إف (Long March-2F)، وهو صاروخ مخصص في الأساس للمهام المأهولة. ويشير الاعتماد المتكرر على هذا الصاروخ في جميع رحلات شينلونغ إلى وجود بنية إطلاق مستقرة وناضجة، وإلى هندسة تكاملية معيارية (Standardized Launch Architecture) تسمح بدمج المركبة القابلة لإعادة الاستخدام مع منصة الإطلاق دون تغييرات جذرية في البنية الأرضية أو أنظمة السلامة.
ويعكس هذا النهج انتقال الصين من التجارب المنفردة إلى نموذج عملياتي قابل للتكرار، وهو عنصر أساسي في أي برنامج يهدف إلى خفض تكلفة الوصول إلى المدار (Cost per Launch) وتحسين الجاهزية التشغيلية على المدى الطويل.
مسار زمني يكشف تطور القدرات التقنية
رغم عدم إعلان الاسم الرسمي للمركبة أو مواصفاتها التفصيلية، يستخدم مجتمع مراقبي الفضاء اسم شينلونغ، أي التنين الإلهي، في إشارة إلى طبيعة البرنامج السرية وأهميته الاستراتيجية. وتحرص بكين على توصيف هذه الرحلات باعتبارها مهمات تحقق تكنولوجي (Technology Verification Missions)، وهو توصيف يهدف إلى الإبقاء على البرنامج ضمن إطار بحثي وتجريبي رغم وضوح التقدم التقني.
بحسب وكالة شينخوا، تهدف المهمة الأخيرة إلى دعم الاستخدام السلمي للفضاء الخارجي، دون الإفصاح عن طبيعة الحمولات. إلا أن السجل الزمني للمهمات يكشف تطورا تدريجيا واضحا. فقد جرت أول رحلة في الرابع من سبتمبر 2020، واستمرت يومين فقط في المدار، وشكلت إثبات مفهوم (Proof of Concept) لقدرة الصين على إطلاق مركبة مدارية والهبوط بها بسلام.
في الخامس من أغسطس 2022، نفذت المهمة الثانية التي استمرت 276 يوما في المدار قبل العودة في الثامن من مايو 2023، وهو ما تطلب أنظمة متقدمة لإدارة الطاقة (Power Management Systems)، والحماية الحرارية (Thermal Protection Systems)، والتحكم الذاتي طويل الأمد.
البقاء المداري الطويل وأنظمة التحكم الذاتي
تواصل هذا التقدم مع المهمة الثالثة التي أطلقت في الرابع عشر من ديسمبر 2023، وبقيت المركبة في المدار 268 يوما قبل هبوطها في سبتمبر 2024. وتشير هذه المدة إلى نضوج ملحوظ في أنظمة التحكم المداري (Orbital Control Systems)، وإدارة الحرارة، ومتانة الهياكل، إضافة إلى موثوقية أنظمة الطيران الآلي (Autonomous Flight Control)، وهي عناصر أساسية لأي منصة فضائية قابلة لإعادة الاستخدام متعددة المهام.
إشارات الاستخدام المزدوج والمقارنة الأميركية
خلال المهمة الثالثة، رصدت شبكات تتبع مستقلة في الولايات المتحدة إشارات راديوية صادرة من المركبة أثناء مرورها فوق أميركا الشمالية، ما أثار احتمالات استخدام شينلونغ كمنصة متنقلة وقابلة لإعادة الاستخدام لـ استخبارات الإشارات (Signals Intelligence – SIGINT). ولم تصدر الصين أي تعليق رسمي، مكتفية بالإطار المدني والتقني، وهو نمط شائع في البرامج ذات الاستخدام المزدوج (Dual-Use Technologies).
وعلى الجانب الأميركي، تواصل قوة الفضاء الأميركية تشغيل مركبة إكس سبعة وثلاثين بي، التي دخلت مهمتها الثامنة في الحادي والعشرين من أغسطس على متن صاروخ فالكون تسعة (Falcon 9) من مركز كينيدي الفضائي. وشملت هذه المهمة اختبار مستشعر القصور الذاتي الكمي (Quantum Inertial Sensor) المصمم للملاحة الدقيقة في بيئات محرومة من نظام تحديد المواقع العالمي (GPS-Denied Environments)، إضافة إلى اختبار اتصالات ليزرية بين الأقمار الصناعية (Inter-Satellite Laser Communications) عالية السعة والمقاومة للتشويش.
دلالات استراتيجية لإعادة الاستخدام المداري
يشير المحللون إلى أن التنافس في مجال المركبات المدارية القابلة لإعادة الاستخدام لا يقتصر على التفوق التقني، بل يمتد إلى خفض التكاليف، وزيادة المرونة التشغيلية، وتطوير منصات قادرة على تنفيذ مهام متعددة ثم العودة لإعادة الاستخدام. وفي هذا السياق، يعكس برنامج شينلونغ توجها استراتيجيا طويل الأمد لدى الصين نحو بناء قدرات فضائية مرنة وقابلة للتطوير، مع انتقال تدريجي من مرحلة إثبات المفهوم إلى مرحلة النضج التشغيلي.
المصدر: South China Morning Post


