تشهد بريطانيا اليوم واحدة من أكبر التحولات الاقتصادية المحتملة منذ عقود، مع تصاعد الآمال بأن الذكاء الاصطناعي سيغيّر مسار الإنتاجية المتعثرة ويعيد الحيوية إلى اقتصاد يعتمد بشكل كبير على قطاع الخدمات. ومع اقتراب موعد الميزانية الجديدة في السادس والعشرين من نوفمبر، تزداد الضغوط على الحكومة البريطانية بقيادة ريتشيل ريفز للعثور على حلول تمكنها من زيادة الإيرادات دون خنق النمو الاقتصادي.
قفزة في الإنتاجية من أسبوعين إلى ساعتين
بدأت بوادر التحول تظهر بوضوح في شركة المحاسبة البريطانية مور كينغستون سميث، حيث نجحت فرق المحاسبة والتدقيق في تقليص وقت إنجاز تقارير فحص الاحتيال من أسبوعين إلى ساعتين فقط، وذلك بفضل دمج أدوات الذكاء الاصطناعي في العمليات اليومية. ووفق ما كشفته الشركة، فإن فرق العمل التي تستخدم الذكاء الاصطناعي بصورة أكبر وصلت إلى هامش ربح أعلى بثماني نقاط مئوية مقارنة بالفرق التي ما زالت تعتمد على الوسائل التقليدية.
وتوضح بيكي شيلدز، رئيسة التحول الرقمي في الشركة، أن الذكاء الاصطناعي يحرر الموظفين من المهام الرتيبة ويمنحهم الوقت للتركيز على خدمة العملاء. وتشير إلى أن النماذج اللغوية الكبيرة تتحسن مع كل إصدار جديد، مما يعني أن القدرة على الأتمتة والتحليل ستواصل التوسع مستقبلا.
اقتصاد خدمات جاهز للثورة التقنية
تتميز بريطانيا بأن ٨٠٪ من اقتصادها يعتمد على قطاع الخدمات، تماما مثل الولايات المتحدة، ما يجعلها في موقع قوي للاستفادة من الذكاء الاصطناعي في مجالات مثل المحاسبة، التمويل، القانون، التعليم، الهندسة المعمارية وغيرها. وبحسب وكالة التصنيف الائتماني موديز، فإن المملكة المتحدة قد تكون أكثر الدول استفادة من التطور السريع للذكاء الاصطناعي.
شركة MKS التي تضم نحو ١٥٠٠ موظف، اعتمدت منصة قائمة على نموذج غوغل Gemini 2.5 لتحليل مجموعات ضخمة من البيانات دفعة واحدة، بدلا من الاعتماد على عينات محدودة. هذا التغيير خفف الأعباء الورقية عن عملائها وجذب شركات جديدة اختارت الاعتماد عليها بسبب تبنيها للذكاء الاصطناعي.
الذكاء الاصطناعي كطوق نجاة للاقتصاد البريطاني
تعرف بريطانيا منذ عام ٢٠٠٨ واحدة من أسوأ فترات النمو والإنتاجية في تاريخها الحديث، حيث تباطأ نمو الإنتاجية مقارنة بالولايات المتحدة ومنطقة اليورو واليابان. وتشير معطيات المعهد الوطني للبحوث الاقتصادية والاجتماعية إلى أن ضعف الإنتاجية مسؤول عن نصف تباطؤ نمو الأجور خلال العقدين الأخيرين.
الحكومة البريطانية ترى في الذكاء الاصطناعي فرصة ذهبية لتحسين الخدمات العامة ورفع كفاءة العمل، في وقت تحاول فيه معالجة التضخم المرتفع، تراجع المشاركة في سوق العمل، ومستويات الاستثمار التجاري الضعيفة.
ويقول حاكم بنك إنجلترا أندرو بايلي إن الذكاء الاصطناعي قد يشكل نقطة تحول، إلا أن آثاره في الاقتصاد لن تظهر بسرعة، مستشهدا ببطء ظهور آثار الكهرباء بعد اختراع المصباح الكهربائي. ويرى بارت فان آرك من معهد الإنتاجية في جامعة مانشستر أن الذكاء الاصطناعي قد يضيف ٠٫١ إلى ٠٫٢ نقطة مئوية سنويا للنمو خلال السنوات المقبلة.
هل سيؤدي الذكاء الاصطناعي إلى فقدان الوظائف؟
على الرغم من التفاؤل، تواجه بريطانيا تساؤلات متزايدة حول مصير العمالة البشرية. فحسب استطلاع معهد CIPD، فإن ١٧٪ من شركات القطاع الخاص تتوقع خفض عدد الموظفين خلال السنة المقبلة بسبب الأتمتة، مقابل ٦٪ فقط تخطط لزيادة التوظيف.
في شركة MKS، تم تقليص عدد الخريجين الجدد الذين يتم تعيينهم، لكن بيكي شيلدز تؤكد أن هذا التخفيض مؤقت ويهدف إلى تسريع التكيف مع الذكاء الاصطناعي، مشيرة إلى أن التوظيف سيعود لما كان عليه بعد عام واحد للحفاظ على الدور البشري المهم.
الصناعة تواجه تحديًا مختلفًا
القطاع الصناعي في بريطانيا يعاني أكثر من غيره، حيث تكافح المصانع ضد ارتفاع تكاليف الطاقة والمواد الخام وضعف الاستثمار. شركة Amtico في منطقة الميدلاندز تستخدم الذكاء الاصطناعي للتخطيط الإنتاجي، لكنها تفكر في توسيع الاستثمار في الروبوتات لتعويض ارتفاع تكلفة العمالة.
ويقول المدير التنفيذي جوناثان داك إنه يسعى لأتمتة العمليات الأكثر تطلبا للعمالة، مؤكدا أن الصناعة البريطانية تحتاج إلى حلول بعيدة المدى إذا كانت ترغب في المنافسة الدولية.
هل يمكن للذكاء الاصطناعي إنقاذ بريطانيا؟
رغم الضبابية، يتوقع بعض المحللين أن المملكة المتحدة ستشهد موجة تبني أسرع للذكاء الاصطناعي مقارنة بالاقتصادات الأوروبية الأخرى بسبب مرونة سوقها وقلة القيود التنظيمية. ويرى خبراء أن تحسين الإنتاجية في القطاعات ذات القيمة العالية سيكون واضحا خلال السنوات القليلة المقبلة.
لكن الطريق ليس سهلا. تكاليف الاستثمار في البنية التحتية، الخوف من خفض الوظائف، قلق الشركات من عدم مواكبة التشريعات، وتفاوت تبني التكنولوجيا بين الشركات الكبيرة والصغيرة كلها تمثل عقبات حقيقية.
ومع ذلك، يرى كثيرون أن بريطانيا تمتلك ورقة رابحة بفضل قوة قطاع الخدمات وقدرته على الاستفادة من الذكاء الاصطناعي أكثر من أي قطاع آخر.
المصدر: رويترز


