جامعة أولو كشفت عن اكتشاف علمي لافت قد يفتح آفاقا جديدة لمعالجة تلوث المياه في البيئات الباردة والنائية، بعدما أظهرت طحالب نمت في مواقع تعدين مهجورة قدرة غير معتادة على احتجاز المعادن السامة من المياه الملوثة دون الحاجة إلى طاقة أو مواد كيميائية.
خلفية بيئية متسارعة في شمال أوروبا
تسرب المعادن السامة إلى المجاري المائية في المناطق الشمالية يتسارع مع تغير المناخ، حيث تؤدي اضطرابات التربة وأنماط التصريف الجديدة إلى تحرير معادن كانت مستقرة سابقا في باطن الأرض. في فنلندا، تمثل خنادق تصريف الغابات ومواقع المناجم القديمة مصادر مستمرة لتلوث المياه بالمعادن الثقيلة، في ظل صعوبة تطبيق تقنيات المعالجة التقليدية بسبب البرودة وبعد المواقع وضعف البنية التحتية.
طحلب غير متوقع يتحدى البيئات القاسية
الفريق البحثي ركز على نوع من الطحالب يعرف باسم Warnstorfia fluitans، وهو نبات لوحظ نموه بكثافة في مياه شديدة الحموضة وغنية بالمعادن قرب منجم Pyhäsalmi في فنلندا. هذه البيئات تتميز بدرجات حموضة مرتفعة تزيد من ذوبانية المعادن وسميتها، ما يجعل بقاء النباتات أمرا نادرا.
المثير أن الطحلب لم ينجُ فقط في هذه الظروف، بل ازدهر في مياه محملة بالحديد ومعادن أخرى، وهو ما دفع العلماء إلى البحث في الآليات البيولوجية والكيميائية التي تمكنه من التكيف مع هذا الوسط القاسي.
الدور الخفي للميكروبات داخل الطحالب
الدراسة أظهرت أن الطحالب لا تعمل بمفردها، بل تعتمد على تعاون وثيق مع كائنات دقيقة تعيش داخل أنسجتها تعرف بالكائنات الداخلية. آنا ماريا بيرتيلا أستاذة علم الأحياء الدقيقة النباتية أوضحت أن الأدلة العلمية تتزايد حول الدور المحوري لهذه الميكروبات في مساعدة النباتات على البقاء في البيئات المتطرفة.
الباحثون وجدوا أن الميكروبات كانت أكثر وفرة في الطحالب المأخوذة من المياه الملوثة مقارنة بتلك القادمة من بيئات نظيفة. نوعان برزا بشكل خاص هما Phialocephala bamuru و Hyaloscypha hepaticola، وتمكن الفريق من تنميتهما بنجاح في المختبر.
آلية احتجاز المعادن وتحويلها إلى شكل أقل خطورة
من الناحية العلمية، يعمل الطحلب كمصفاة حيوية تمتص المعادن الذائبة، بينما تقوم الميكروبات بتعديل الظروف الكيميائية داخل أنسجة النبات، ما يؤدي إلى ترسيب المعادن وتحويلها من حالة ذائبة عالية السمية إلى جسيمات صلبة أكثر استقرارا وأقل خطورة على البيئة.
كايسا ليهوسما الباحثة في مرحلة ما بعد الدكتوراه شرحت أن الطحلب يتصرف كإسفنج طبيعي يربط المعادن ويحولها إلى شكل يمكن التعامل معه، مع إمكانية إزالة الطحالب المشبعة بالمعادن لاحقا من النظام البيئي.
الدراسة شملت معادن مثل الحديد والكادميوم والنحاس والزنك والنيكل والزرنيخ، وهي عناصر تشكل مخاطر طويلة الأمد على النظم البيئية وجودة المياه.
منظور تقني وإمكانات تطبيقية مستقبلية
من الزاوية التقنية، يقدم نظام الطحلب والميكروبات نموذجا لمعالجة طبيعية منخفضة التكلفة يمكن دمجها مع أنظمة تنقية المياه الحالية. هذا الحل قد يعمل كمرحلة أولى لتقليل تركيز المعادن قبل اللجوء إلى تقنيات أكثر تعقيدا مثل الترشيح الغشائي أو المعالجة الكيميائية.
الميزة الرئيسية لهذا النظام تكمن في عمله دون استهلاك للطاقة ودون إضافة مواد كيميائية، ما يجعله مناسبا للمناطق النائية ومواقع التعدين المهجورة وخنادق تصريف الغابات، حيث تفشل الحلول التقليدية أو تصبح غير مجدية اقتصاديا.
اختبارات ميدانية مرتقبة في شمال فنلندا
الفريق البحثي يستعد لإجراء تجارب ميدانية في خنادق تصريف غابات غنية بالحديد ضمن حوض Kalimenjoki قرب بحيرة Jäälinjärvi شمال فنلندا، بهدف تقييم كفاءة النظام في ظروف طبيعية مفتوحة وليس فقط في المختبر.
تعاون صناعي وتوجه نحو الاستخدام التجاري
المشروع نُفذ بالتعاون مع شركاء دوليين وجهات صناعية من بينها منجم Pyhäsalmi وشركة الصلب Outokumpu. كما جُمعت عينات إضافية من مواقع تعدين مغلقة مثل Saattopora في فنلندا و Adakgruvan في السويد لمقارنة الأداء البيئي.
بيرتيلا أكدت أن فريقها يعمل أيضا على تطوير سلالات ميكروبية ومنتجات قابلة للتطبيق التجاري في قطاعات متعددة، بما في ذلك إدارة المياه الصناعية وإعادة تأهيل البيئات المتضررة من التعدين.
رؤية جديدة لإدارة المياه الشمالية
الباحثون شددوا على أن الطحالب في أنظمة تصريف الغابات لا ينبغي النظر إليها كمخلفات تعيق تدفق المياه، بل كعناصر نشطة يمكن توظيفها لتنظيف المياه الملوثة بشكل طبيعي ومستدام.
الدراسة نُشرت في مجلة iMetaOmics.
المصدر: Interesting Engineering و EurekAlert


