أثار رينيه أوبرمان، رئيس مجلس إدارة شركة Airbus الأوروبية العملاقة، موجة واسعة من الجدل السياسي والعسكري بعد تصريحاته الصريحة التي دعا فيها الدول الأوروبية إلى امتلاك أسلحة نووية تكتيكية، في خطوة اعتبرها ضرورية لموازنة التهديدات المتنامية القادمة من روسيا، وخاصة منظومات إسكندر Iskander المنتشرة في منطقة كالينينغراد وعلى الأراضي البيلاروسية.
جاءت تصريحات أوبرمان خلال مشاركته في مؤتمر الأمن في برلين، حيث تحدث أمام قادة دفاع وخبراء أمنيين حول ما وصفه بـ “الواقع الجديد” الذي تواجهه أوروبا في ظل انتشار صواريخ نووية تكتيكية روسية على مقربة من حدود الاتحاد الأوروبي. وقال:
“نقطة ضعفنا تبدو واضحة، وهي ما تهددنا به روسيا علناً: أكثر من 500 رأس نووي تكتيكي مثبتة على صواريخ إسكندر 26 المتمركزة أمام أبوابنا مباشرة في كالينينغراد، إضافة إلى تلك المنتشرة حديثاً في بيلاروسيا”.
وأشار أوبرمان إلى أن هذه التهديدات ليست نظرية أو بعيدة المدى، بل واقعية ومباشرة، مؤكداً أن موسكو عززت انتشار الصواريخ القادرة على حمل رؤوس نووية خلال العامين الماضيين بنسخ محسّنة من إسكندر-M، والتي يمكن أن تصل قوتها التدميرية إلى عدة مئات من الكيلوطن.
دعوة لبرنامج ردع نووي أوروبي مشترك
دعا رئيس Airbus إلى تأسيس برنامج ردع نووي أوروبي مشترك يضم دولاً مثل ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، بالإضافة إلى دول أوروبية “مستعدة” لتحمل مسؤولية تعزيز الردع النووي. وأوضح أن البرنامج يجب أن يكون “متدرجاً” ومبنياً على مستويات متعددة من القدرات النووية، بما يشمل الأسلحة التكتيكية وليس الاستراتيجية فقط.
وقال أوبرمان في كلمته:
“أعتقد أن هذا سيُعد رسالة ردع هائلة، وسيوضح أن أوروبا لن تقف مكتوفة الأيدي أمام تهديد مباشر لأمنها القومي”.
وأشار إلى أن الوضع الجيوسياسي الحالي لم يعد يسمح بالاعتماد الكامل على المظلة النووية الأمريكية، داعياً أوروبا إلى تحمل مسؤولية أكبر في أمنها الدفاعي.
رد حذر من الناتو وتأكيد على عدم تغير الوضع النووي الروسي
عند سؤال حلف شمال الأطلسي الناتو حول ما إذا كان قد لاحظ أي تغيّر في وضعية الأسلحة النووية الروسية، قال مسؤول في الحلف إن الناتو لم يلحظ أي تغيير حديث في الوضع النووي الروسي، مؤكداً أن تقييم الحلف يعتمد على مراقبة مستمرة. ولم يعلق المسؤول على دعوة أوبرمان مباشرة، ما يعكس حساسية الموضوع داخل الأوساط العسكرية الغربية.
منطقة كالينينغراد: بؤرة التوتر النووي
تشكل كالينينغراد واحدة من أبرز النقاط العسكرية الأكثر حساسية في المواجهة بين روسيا والدول الأوروبية. فقد قامت موسكو خلال السنوات الأخيرة بتحويل المنطقة إلى نقطة ارتكاز متقدمة للصواريخ النووية التكتيكية. وتشير تقارير استخباراتية أوروبية إلى أن منظومات إسكندر هناك تتميز بقدرة على تغيير الرؤوس في دقائق، ما يجعلها سلاحاً مثالياً للردع السريع.
أما في بيلاروسيا، فقد سمحت مينسك بنشر صواريخ روسية إضافية ضمن اتفاقات دفاعية موسعة، وهو ما اعتبرته أوروبا تحولاً جوهرياً يزيد من الضغط الاستراتيجي على دول القارة الشرقية.
أهمية التصريح وتغير المزاج الأمني الأوروبي
تأتي تصريحات رئيس Airbus في لحظة حساسة للغاية، حيث تتزايد النقاشات داخل أوروبا حول مستقبل الأمن القاري، خاصة بعد الحرب المستمرة في أوكرانيا ومخاوف تجدد التهديدات على دول البلطيق وبولندا. ويشير المحللون إلى أن تصريح شخصية صناعية كبيرة مثل أوبرمان يعكس تحوّلاً حقيقياً في طريقة تفكير المؤسسات الأوروبية تجاه الردع النووي.
حتى الآن، تستند أوروبا في الجزء الأكبر من مظلتها النووية إلى:
- فرنسا التي تمتلك ترسانة مستقلة تشمل الغواصات النووية والصواريخ بعيدة المدى.
- بريطانيا التي تعتمد على منظومة “ترايدنت” ضمن تعاون وثيق مع الولايات المتحدة.
لكن دعوة أوبرمان تفتح الباب أمام نقاش جديد حول بناء قدرة نووية تكتيكية مشتركة، وهو توجه غير مسبوق في التاريخ الأوروبي الحديث، وقد يغير شكل سياسة الردع في القارة خلال العقد المقبل.
تأثير محتمل على الصناعات الدفاعية الأوروبية
من الناحية الصناعية، يُنظر إلى تصريحات أوبرمان كرسالة بأن الشركات الدفاعية الأوروبية، وعلى رأسها Airbus، مستعدة للمشاركة في تطوير منظومات أسلحة جديدة تتناسب مع احتياجات الردع النووي التكتيكي. ويمكن أن يشمل ذلك منصات إطلاق جديدة، نظم دفاع جوي متقدمة، وحلولاً لتكامل الأسلحة النووية التكتيكية مع منظومات القيادة والسيطرة.
ويرى خبراء أن هذا قد يشكل فرصة ضخمة للصناعات الدفاعية الأوروبية للدخول في مرحلة جديدة من التطوير العسكري، اعتماداً على شراكات متعددة بين القطاعين العام والخاص.
المصدر: رويترز


