روسيا أشعلت نقاشا واسعا حول حدود الرقابة الرقمية بعد قرار حظر منصة الألعاب الأميركية Roblox (روبلوكس)، في خطوة استهدفت حسب السلطات حماية القاصرين من محتوى وصفته بغير اللائق وبأنه ينشر ما تعتبره دعاية متطرفة ومحتوى مرتبطا بالمثلية الجنسية، لكنه في المقابل دفع أطفالا وأهالي إلى التساؤل عن جدوى هذه القرارات في عالم يمكن تجاوز حظر التطبيقات فيه ببضع نقرات فقط.
اتهامات رسمية ومبررات الحظر
الهيئة الروسية المنظمة لقطاع الاتصالات Roskomnadzor (روسكومنادزور) أعلنت في الثالث من ديسمبر أنها حظرت الوصول إلى روبلوكس داخل البلاد، مشيرة إلى أن المنصة تعج بما وصفته بالمحتوى غير المناسب وأنها تنتشر فيها روايات تعتبرها السلطات دعاية متطرفة، إضافة إلى اتهامها بوجود محتوى مرتبط بالمثلية الجنسية وبأنها تحظى بشعبية لدى من يوصفون بالمتحرشين بالأطفال.
الحكومة الروسية التي تخوض مواجهة سياسية وإعلامية مع الغرب على خلفية الحرب في أوكرانيا تقدم هذه الإجراءات في إطار ما تسميه الدفاع عن فضائها المعلوماتي في وجه ما تعتبره حربا إعلامية وثقافة غربية منحلة تهدد القيم التقليدية الروسية. في هذا السياق تفرض موسكو قيودا واسعة على منصات التواصل، من بينها حجب أو تقييد خدمات مثل سناب شات وفيسبوك وإنستغرام وواتساب ويوتيوب، مع تعزيز حضور روايتها الرسمية عبر المنصات المحلية والإعلام الروسي.
احتجاجات صغيرة وعبارة الستار الحديدي الرقمي
رغم اتساع الرقابة في زمن الحرب، فإن حظر روبلوكس لامس حياة شريحة واسعة من الأطفال والشباب الذين اعتبروا المنصة نافذة على عالم واسع من الألعاب والأصدقاء حول العالم. في مدينة تومسك السيبيرية خرجت وقفة احتجاجية صغيرة رفع المشاركون فيها لافتات كتب عليها شعارات من قبيل “ارفعوا أيديكم عن روبلوكس” و”روبلوكس ضحية الستار الحديدي الرقمي”، في إشارة إلى القيود المتزايدة على الفضاء الرقمي.
إحدى الفتيات المشاركات وتدعى بولينا جيرينا وتبلغ من العمر أربعة عشر عاما قالت لوكالة رويترز في موسكو إنها لا ترى أن حظر روبلوكس قرار صائب، مضيفة أن اللعب على المنصة كان ممتعا بالنسبة لها، بينما أكدت شقيقتاها داريا ذات الأحد عشر عاما ويكاترينا ذات السبع سنوات أنهما كانتا أيضا تستخدمان المنصة بانتظام.
الأطفال وطرق الالتفاف على الحظر عبر الشبكات الخاصة
داريا جيرينا أشارت إلى واقع يعرفه كثير من الروس الشباب، إذ قالت إنها تعتقد أن الأطفال سيجدون دائما طريقة للالتفاف على الحظر، موضحة أن هناك تطبيقات أخرى حظرت سابقا وتمكن المستخدمون من الاستمرار في استعمالها عبر وسائل بديلة، وأن الأمر نفسه قد يتكرر مع روبلوكس.
العديد من الروس يعتمدون على أدوات VPN (في بي إن) أي الشبكات الخاصة الافتراضية لتجاوز حجب المواقع والتطبيقات التي تفرضه السلطات. ورغم أن مئات خدمات الشبكات الخاصة حظرت خلال العام الحالي، فإن خدمات جديدة تظهر باستمرار، ما يدفع بعض الشباب إلى التساؤل عن جدوى حظر منصات يمكن الوصول إليها بسهولة، وعن غياب بدائل روسية جذابة تنافس التطبيقات الغربية.
قلق من ثقافة تجاوز القوانين ومخاطر أمنية
بعض المدافعين عن القيود الصارمة على المحتوى الموجه للأطفال يعبرون، في الوقت نفسه، عن قلقهم من انتشار ثقافة الالتفاف على الحجب. ييكاتيرينا ميزولينا المديرة العامة لمنظمة Safe Internet League (سيف إنترنت ليغ) الرقابية، والتي تخضع لعقوبات من الاتحاد الأوروبي بسبب دورها في تطبيق سياسات الرقابة الروسية، تساءلت عن عدد الأطفال الذين قاموا بتحميل تطبيقات معينة بعد حظر روبلوكس مباشرة، في إشارة إلى لجوئهم السريع إلى بدائل تقنية لتجاوز القيود.
ميزولينا قالت إن بعض الشباب تحدثوا عن رغبتهم في مغادرة روسيا بسبب حظر روبلوكس، معتبرة أن الانتشار الواسع لأساليب تجاوز الحجب يكرس نظرة استهتار عامة تجاه القرارات الحكومية، في وقت تحاول فيه السلطات تثبيت رؤيتها للفضاء الرقمي.
هذا النقاش يعكس مفارقة بين من يطالب بحماية صارمة للأطفال من المحتوى الضار، وبين من يرى أن الإفراط في الحظر قد يدفعهم إلى مسارات أكثر خطورة وغير خاضعة للرقابة عبر أدوات قد تعرض بياناتهم وأمنهم الرقمي للخطر.
وجهة نظر الأهالي بين الحماية ورفض الحظر الكامل
ماريا جيرينا والدة الفتيات الثلاث قالت إنها لا تؤيد الحظر الكامل، لكنها في الوقت نفسه ترغب في ضمان مراقبة التطبيقات ومحتواها واتصالات الأطفال داخلها. وأوضحت أنها ستكون أكثر اطمئنانا إذا تأكدت من وجود آليات فعالة للرقابة على المحتوى غير المناسب وعلى من يحاولون التواصل مع أطفالها، لكنها لا تعتقد أن حظر منصة بعينها هو الحل النهائي.
جيرينا أضافت أن المشكلة لا تنتهي بإغلاق منصة واحدة، لأنه “إذا لم تعد روبلوكس موجودة فسيظهر شيء آخر”، في إشارة إلى ديناميكية عالم التطبيقات والألعاب وسرعة ظهور منصات جديدة تجذب الأطفال والشباب.
جدل مستمر حول حدود الرقابة الرقمية في روسيا
قضية روبلوكس تفتح فصلا جديدا في الجدل الدائر داخل روسيا حول حدود الرقابة الرقمية وفاعلية الحجب كأداة لحماية القاصرين أو ضبط الفضاء المعلوماتي. فمن جهة، ترى السلطات أن تشديد القيود ضروري لمنع وصول أطفالها إلى ما تعتبره محتوى مفسدا أو دعاية معادية، ومن جهة أخرى يشير الواقع التقني إلى أن أجيالا كاملة باتت تتقن استخدام أدوات الالتفاف على الحظر.
هذا الواقع يطرح سؤالا أوسع حول قدرة أي دولة على فرض سياج رقمي كامل في زمن العولمة التقنية، وحول الثمن الذي يدفعه الأطفال والشباب بين حقهم في الوصول إلى منصات ترفيهية وتعليمية عالمية وبين سعي الدولة لفرض رؤيتها القيمية والسياسية على الفضاء الافتراضي.
المصدر: رويترز


