تشهد شركات الدفاع التكنولوجية الأميركية المدعومة من وادي السيليكون مرحلة جديدة من التحديات بعد سنوات من النمو السريع وارتفاع التقييمات، إذ تجد نفسها اليوم أمام اختبار حقيقي: الانتقال من مرحلة النماذج الأولية والعقود الصغيرة إلى إنتاج أسلحة متقدمة على نطاق واسع، في سوق تهيمن عليه منذ عقود شركات الدفاع التقليدية.
تأتي هذه التطورات في ظل تزايد اهتمام البنتاغون بتكنولوجيا “الجيل التالي”، مثل الطائرات القتالية غير المأهولة، والزوارق الذكية، وبرمجيات الذكاء الاصطناعي ذاتية التشغيل، خصوصاً بعد التجارب العسكرية التي كشفتها الحرب في أوكرانيا.
طفرة استثمارية تقودها شركات ناشئة
خلال العام الجاري، تضاعفت تقييمات العديد من الشركات الناشئة. شركة Saronic Technologies المصنعة للزوارق المسيّرة ارتفع تقييمها إلى 4 مليارات دولار، بينما قفز تقييم شركة Anduril بقيادة بالمر لوكي إلى 30 مليار دولار، كما ضاعفت شركة Chaos Industries المتخصصة في الرادارات وأجهزة الاستشعار قيمتها السوقية.
لكن هذا الزخم كشف في الوقت نفسه عن مشكلة أعمق: أغلب هذه الشركات ما تزال تعتمد على عقود بحثية صغيرة تتراوح بين 10 و30 مليون دولار، في حين يتطلب دخول نادي الشركات الكبرى القدرة على تنفيذ برامج إنتاج ضخمة تمتد لسنوات.
فجوة بين الابتكار والإنتاج الفعلي
قال كريستوفر كايو، الرئيس التنفيذي لشركة RTX (رايثيون سابقاً)، إن “الابتكار شيء، وتصميم النموذج الأولي شيء آخر، أما الانتقال إلى التصنيع على نطاق واسع فهو عالم مختلف تماماً”. ورغم الوعود الكبيرة التي تقدمها الشركات التكنولوجية، إلا أن تجاوز حاجز الإنتاج الكبير يستلزم استثمارات هائلة وبنية تحتية صناعية متقدمة.
وبينما ارتفعت حصة الشركات الناشئة إلى 1.3% من عقود وزارة الدفاع هذا العام — مقارنة بـ0.6% العام الماضي — فإن الشركات الكبرى ما تزال تستحوذ على 92% من العقود.
البنتاغون يريد التغيير… لكن”ثقافة العقود” تقاوم
وزير الدفاع الأميركي بيت هيجسيث أكد خلال منتدى ريغان للدفاع أن البنتاغون يستعد للانتقال بعيداً عن “ثقافة الشركات الكبرى” إلى نموذج يسمح للشركات التجارية السريعة بزيادة وتيرة الإنتاج لمواجهة التوسع العسكري الصيني.
وقال هيجسيث: “هدفنا بسيط لكنه ضخم: تسريع نشر القدرات القتالية والتركيز على النتائج”.
لكن مسؤولي الشركات يرون أن البيروقراطية، ومصالح الشركات التقليدية، وضغط الكونغرس على تخصيصات السلاح، كلها عوامل تجعل التحول صعباً.
وقال زاك شور من شركة Hermeus المطورة للطائرات العسكرية فرط الصوتية إن “الجدار المقبل الذي ستصطدم به الشركات هو الانتقال من عقد تجريبي صغير إلى برنامج إنتاج كامل”.
سيطرة الشركات التقليدية مستمرة… حتى الآن
على الرغم من صعود الشركات التكنولوجية، لا تزال العقود الكبرى، مثل حزم المساعدات العسكرية لأوكرانيا، وبرنامج المقاتلة الجديدة للقوات الجوية، ومشروع Golden Dome الدفاعي بقيمة 175 مليار دولار، تُسند إلى شركات مثل بوينغ، لوكهيد مارتن، وRTX.
حتى أن المدير التنفيذي لـ JPMorgan، جيمي ديمون — الذي ضخ 10 مليارات دولار في استثمارات دفاعية — حذّر من أن الشركات الكبرى نفسها قد تواجه “وادي الموت” إذا تجاهلت الابتكار.
تحالفات جديدة بين القديم والجديد
رغم التنافس، تشير المؤشرات إلى بداية تشكّل منظومة دفاعية هجينة. فقد أعلنت شركة Shield AI تعاوناً مع HII لبناء سفن ذاتية التشغيل، فيما دخلت Anduril في شراكة مع HD Hyundai الكورية لبناء سفن تجارية وعسكرية.
وصرّح زاك ميرز من Anduril بأن “قطاع الدفاع الأميركي يقف على حافة نقطة تحول تاريخية بعد عقود من هيمنة عدد محدود من الشركات”.
مستقبل صناعة الدفاع الأميركية
يرى محللون أن دخول الشركات التكنولوجية بقوة إلى القطاع الدفاعي قد يغيّر ميزان القوة الصناعية في واشنطن، لكن ذلك لن يحدث دون قدرة الشركات الناشئة على بناء مصانع، شبكات توريد، وقدرات إنتاج تضاهي عمالقة الدفاع.
ومع احتدام المنافسة مع الصين، وتوسع دور الطائرات المسيّرة والذكاء الاصطناعي في الحروب الحديثة، يتوقع كثيرون أن الضغط على البنتاغون لدمج الشركات المبتكرة في البرامج الكبرى سيزداد.
المصدر: رويترز


