الخلفية:

شركة ناشئة تطور مرآة فضائية لإضاءة الأرض ليلاً بضوء الشمس

تسعى شركة ريفلِكت أوربيتال (Reflect Orbital)، وهي شركة ناشئة تعمل في مجال التكنولوجيا الفضائية، إلى إطلاق منظومة من الأقمار الاصطناعية المزودة بمرايا عملاقة في المدار بهدف عكس ضوء الشمس نحو الأرض خلال ساعات الليل. الفكرة، التي تبدو أقرب إلى الخيال العلمي، تهدف إلى توفير مصدر جديد للطاقة والإضاءة يمكن أن يساعد المدن ومزارع الطاقة الشمسية على العمل حتى بعد غروب الشمس.

المشروع يخضع حالياً لدراسة من قبل هيئة الاتصالات الفيدرالية الأميركية (Federal Communications Commission – FCC) التي تراجع طلب الشركة لإطلاق قمر اصطناعي تجريبي يحمل مرآة فضائية ضخمة قادرة على توجيه الضوء إلى مناطق محددة على سطح الأرض.

كيف تعمل المرايا الفضائية؟

تعتمد الفكرة على وضع مرايا عاكسة ضخمة في مدار أرضي منخفض (Low Earth Orbit – LEO) بحيث تستطيع التقاط ضوء الشمس ثم إعادة توجيهه نحو موقع محدد على الأرض. عندما يكون جزء من الكوكب في الظلام، تبقى الأقمار الاصطناعية في المدار مضاءة بأشعة الشمس، ما يسمح لها بعكس الضوء نحو المناطق الليلية.

تخطط الشركة لإطلاق قمر اصطناعي تجريبي يحمل مرآة بقطر يقارب 60 قدماً، أي نحو 20 متراً. هذه المرآة مصممة لتعمل مثل عاكس شمسي ضخم قادر على توجيه الضوء نحو مساحة محددة على الأرض، سواء كانت مدينة أو محطة طاقة شمسية.

إذا نجحت التجربة الأولية، تسعى الشركة إلى بناء كوكبة ضخمة من الأقمار الاصطناعية العاكسة قد يصل عددها إلى 50 ألف قمر اصطناعي، وهو رقم يفوق بعدة مرات حجم أكبر كوكبة أقمار صناعية حالياً في المدار مثل شبكة ستارلينك (Starlink) التابعة لشركة سبيس إكس (SpaceX).

هدف المشروع: تشغيل الطاقة الشمسية ليلاً

ترى الشركة أن هذه التكنولوجيا قد تسمح بإطالة ساعات عمل مزارع الطاقة الشمسية عبر توجيه ضوء الشمس المنعكس إليها بعد الغروب. وبذلك يمكن لمحطات الطاقة الشمسية الاستمرار في إنتاج الكهرباء حتى خلال الليل، وهو ما قد يغير طريقة استخدام الطاقة المتجددة.

كما يمكن استخدام الضوء المنعكس لإضاءة المدن أو المواقع الصناعية التي تعمل على مدار الساعة، أو لتوفير الإضاءة في حالات الطوارئ عندما تتعرض شبكات الكهرباء التقليدية للتعطل بسبب الكوارث الطبيعية.

وقال الرئيس التنفيذي للشركة بين نواك لنيويورك تايمز إن الهدف النهائي للمشروع يتمثل في تطوير نظام طاقة جديد يمكن أن يسهم في تقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري.

نموذج اقتصادي يعتمد على بيع الضوء

تخطط الشركة لتحويل هذه التكنولوجيا إلى خدمة تجارية. وفق تصورها الأولي، يمكن بيع الضوء المنعكس من الفضاء مقابل نحو 5000 دولار في الساعة لكل مرآة فضائية. كما قد تحصل الشركة على نسبة من عائدات الكهرباء المنتجة من مزارع الطاقة الشمسية التي تستخدم الضوء المنعكس لزيادة إنتاجها.

وإذا حصل المشروع على الموافقات التنظيمية ونجحت التجارب الأولية، فإن الشركة تستهدف إطلاق نحو 1000 قمر اصطناعي بحلول عام 2028.

تجارب سابقة للمرايا الفضائية

رغم غرابة الفكرة، فإن استخدام المرايا الفضائية ليس جديداً بالكامل. ففي عام 1993 أطلق علماء روس قمراً اصطناعياً تجريبياً يعرف باسم Znamya. حمل هذا القمر مرآة مصنوعة من مادة مايلار (Mylar) يبلغ قطرها نحو 65 قدماً.

عندما انتشرت المرآة في المدار، تمكنت من عكس ضوء الشمس نحو الأرض مكوّنة بقعة ضوئية بعرض يقارب 5 كيلومترات وبسطوع يقارب ضعفي سطوع القمر.

لكن التجربة لم تحقق النجاح العملي المتوقع، إذ أفاد مراقبون على الأرض بأن الضوء ظهر على شكل وميض سريع ولم يكن مفيداً للإضاءة المستمرة، كما أن تكلفة النظام كانت مرتفعة مقارنة بالفائدة الفعلية.

مخاوف بيئية وفلكية

أثار مشروع المرايا الفضائية نقاشاً واسعاً بين العلماء بسبب آثاره المحتملة على البيئة والنظم الطبيعية. يحذر الباحثون من أن إضافة مصادر ضوء صناعية إلى السماء الليلية قد تؤدي إلى اضطراب الإيقاعات البيولوجية للكائنات الحية التي تعتمد على تعاقب الليل والنهار.

فالطيور المهاجرة تعتمد على الإشارات الضوئية الطبيعية في الملاحة، كما تستخدم الحشرات والعديد من الحيوانات الليلية الظلام كإشارة لتنظيم سلوكها الغذائي والتناسلي. ويخشى علماء البيئة من أن يؤدي تغيير مستوى الإضاءة الطبيعية إلى اختلالات في النظم البيئية.

كما أعرب علماء الفلك عن قلقهم من أن انتشار آلاف المرايا العاكسة في المدار قد يؤدي إلى تلوث ضوئي فضائي (Space Light Pollution) قد يعرقل عمليات الرصد الفلكي. فانعكاس الضوء من هذه المرايا قد يظهر على شكل خطوط أو ومضات في صور التلسكوبات، ما قد يؤثر على دراسة المجرات البعيدة والكواكب خارج المجموعة الشمسية.

تحديات تقنية واقتصادية كبيرة

يشكك بعض الباحثين في الجدوى التقنية للمشروع. فقد أجرى عالم الفلك مايكل براون من جامعة موناش (Monash University) حسابات لتقدير كمية الضوء التي يمكن أن توفرها هذه الأقمار.

ووفق تقديراته، فإن توفير ما يعادل 20٪ فقط من شدة ضوء الشمس في منتصف النهار لموقع واحد على الأرض قد يتطلب تشغيل أكثر من 3000 قمر اصطناعي في الوقت نفسه.

وأضاف براون أن حتى نشر 87 ألف قمر اصطناعي لن يسمح إلا بتوفير نحو خُمس شدة ضوء الشمس في منتصف النهار لعدد محدود من المواقع حول العالم.

هذه الحسابات تشير إلى أن الفكرة، رغم بساطتها النظرية، قد تواجه عقبات هندسية واقتصادية ضخمة قبل أن تتحول إلى نظام عملي قادر على تغيير قطاع الطاقة العالمي.

المصدر: نيويورك تايمز

اقرأ أيضاً