منظومة قيادة جديدة ترفع مستوى الحرب تحت السطح
بدأت شركة Exail الفرنسية، المتخصصة في الأنظمة البحرية عالية التطور، العمل على تصنيع وحدة التحكم السادسة المخصّصة لغواصات Jangbogo III الكورية الجنوبية، المعروفة أيضاً باسم فئة Dosan Ahn Chang-ho. وتُعد هذه الغواصات الهجومية الديزل‑كهربائية من أحدث ما تنتجه كوريا الجنوبية لتعزيز قدراتها البحرية، في إطار برنامج طويل الأمد يهدف إلى دعم استقلالية البلاد الدفاعية وتوسيع جاهزيتها في المياه العميقة.
ومنذ عام 2014، سلّمت Exail خمس وحدات تحكم كاملة تم دمجها وتشغيلها على الغواصات العاملة بالفعل. أما الوحدة السادسة، فسيبدأ تصنيعها في عام 2026، على أن تُسلَّم وتدخل الخدمة في عام 2027. وتعتمد جميع هذه الوحدات على نظام Opsys، وهو منصة الحوسبة المركزية التي تعمل كالعقل التشغيلي، إذ تربط بين أنظمة الملاحة، والدفع، والتحكم، وتتيح إدارة دقيقة وسلسة للغواصة حتى في أقسى الظروف.
دقة هندسية تجمع التكنولوجيا بالخبرة البشرية
يشير محمد تونسي، مدير الإنتاج في Exail، إلى أن بناء وحدة تحكم لغواصة يمثل مزيجاً صعباً من التحديات التقنية والمتطلبات البشرية. ويوضح أن كل وحدة تحتاج إلى نحو عامين من العمل المتواصل، تُسهم فيه فرق الإلكترونيات والبرمجيات والميكانيكا ودمج الأنظمة. ويضيف أن نجاح تشغيل المحطة الرابعة في يوليو 2025 شكّل محطة مهمة، بعدما تم اختبار كل الواجهات مع بقية أنظمة الغواصة بدقة وأثبتت المنظومة قدرتها العالية على تحمل الضغط التشغيلي.
ولا يقتصر دور Exail على تصنيع وحدات التحكم فحسب، بل تشمل خدماتها الدعم الكامل أثناء دمج الأنظمة داخل الغواصات، والتشغيل الفعلي، والتدريب، ما يضمن نقل المعرفة إلى الشركاء ورفع كفاءة الطواقم البحرية على المدى الطويل.
العنصر المركزي لغرفة القيادة تحت سطح البحر
داخل الغواصة، تُعد وحدة التحكم أو الكونسول بمثابة مركز القيادة العصبي، المسؤولة عن التحكم في الحركة داخل ثلاثة أبعاد مختلفة: الاتجاه، العمق، والسرعة. وتشبه هذه الوحدة ما يجمع بين عجلة القيادة ونظام الدفع في السفن أو السيارات، لكنها أكثر تعقيداً بما يتناسب مع بيئة التشغيل تحت الماء التي تتطلب استجابة فورية، ودقة عالية في المناورة، وقدرة على العمل بسرية تامة.
وتشمل مهام وحدة التحكم إدارة أنظمة الغوص والصعود، ضبط مستوى التوازن، إدارة الطاقة، وتنسيق جميع الأوامر الموجهة إلى أنظمة الدفع والملاحة. وكل جزء من هذه العمليات له تأثير مباشر على أمن الطاقم وسلامة المهمة.
قدرة استراتيجية تتجاوز التشغيل اليومي
توضح Exail أن 15 وحدة قيادة من طرازاتها المختلفة تعمل حالياً ضمن أساطيل دولية، ما يعزز مكانتها كشريك رئيسي للبحريات حول العالم. وتشير الشركة إلى أن وحدات التحكم ليست مجرد واجهات تشغيل، بل «قدرة استراتيجية» لأنها توحّد أنظمة الملاحة والدفع والمراقبة عبر منصة Opsys، وبذلك تحسّن الكفاءة التكتيكية والأمن التشغيلي والاستقلالية البحرية.
كما تضمن هذه الوحدات جاهزية طويلة الأمد، إذ صُممت لتبقى قابلة للتحديث والتوسعة على مدى عقود، وهو عامل حاسم للدول التي تسعى لتعزيز أساطيلها البحرية تدريجياً دون الحاجة لاستبدال الأنظمة الرئيسية بالكامل.
برنامج KSS‑III.. مستقبل الغواصات الكورية
يُعد برنامج KSS‑III أحد أكثر مشاريع الغواصات طموحاً في آسيا، حيث يشمل تطوير تسع غواصات هجومية تُبنى على ثلاث دفعات. وقد تولت شركتا DSME وHyundai Heavy Industries بناء غواصات الدفعة الأولى، في إطار مشروع يهدف إلى توفير غواصات محلية ذات قدرات قريبة من الغواصات الغربية المتقدمة.
وتشير بيانات موقع Naval Technology إلى أن غواصات الدفعة الأولى يبلغ طولها 83.3 متراً، وعرضها 9.6 أمتار، مع غاطس يبلغ 7.62 أمتار، وإزاحة تشغيلية تقارب 3000 طن. وتستوعب هذه الغواصات طاقماً يصل إلى 50 فرداً، مع تجهيزات تقنية حديثة تشمل أنظمة إطلاق صواريخ كروز وصواريخ باليستية قصيرة المدى.
ومع بدء دمج وحدة التحكم الجديدة، يصبح برنامج KSS‑III أقرب إلى تحقيق هدفه في بناء أسطول متطور قادر على الدفاع عن المجال البحري الكوري والعمل ضمن عمليات مشتركة مع قوات بحرية صديقة.
نحو تفوّق أكبر في الحرب تحت السطح
يعكس اعتماد كوريا الجنوبية على وحدات التحكم المتطورة من Exail رغبتها في تعزيز حضورها الاستراتيجي في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، حيث تزداد التحديات البحرية وتتوسع المنافسة على القدرات التقنية المتقدمة. وتؤكد هذه الخطوة أن الحرب تحت الماء لم تعد تعتمد فقط على هدوء الغواصة أو مدى صواريخها، بل أيضاً على دقة القيادة وفعالية أنظمة التحكم التي أصبحت جزءاً أساسياً من التفوق البحري.
وتقدّم وحدة التحكم الجديدة مثالاً واضحاً على كيفية دمج الذكاء الحاسوبي والأنظمة الملاحية لرفع مستوى العمليات، ما يجعل الغواصات الكورية مجهزة لخوض مهام طويلة ومعقدة في أعماق البحر.
المصدر: Interesting Engineering


