الخلفية:

غزو السيارات الصينية: كيف تُعيد بكين رسم خريطة سوق السيارات العالمي؟

في تحقيق استقصائي ضخم نشرته رويترز، تتكشف ملامح واحدة من أعقد التحولات الصناعية في القرن الحادي والعشرين. فالعالم الذي انشغل في السنوات الأخيرة بالتهديد الذي تشكله السيارات الكهربائية الصينية على أسواق أوروبا وأميركا، اكتشف أن المعركة الحقيقية تدور في مكان آخر تماماً. فالصين، التي أصبحت أكبر سوق للسيارات الكهربائية في العالم، تجد نفسها اليوم غارقة بفائض من سيارات البنزين التي لم يعد لها موطئ قدم داخل حدودها. وبدلاً من إغلاق المصانع أو تقليص الإنتاج، تتجه الشركات الصينية نحو تصدير ضخم وحاد لهذه السيارات إلى عشرات الدول، مما يعيد رسم خريطة المنافسة العالمية بطريقة لم يشهدها القطاع منذ صعود السيارات اليابانية في الثمانينيات.

تقول رويترز إن هذا التدفق غير المسبوق من سيارات الوقود الأحفوري ليس صدفة، بل نتيجة مباشرة لسلسلة من السياسات الحكومية، وحرب أسعار داخلية، وتحولات تكنولوجية سريعة وضعت شركات السيارات التقليدية أمام واقع وجودي جديد: إما الهروب إلى الخارج أو الانهيار تحت ثقل الفائض الإنتاجي.

انهيار السوق المحلي: كيف خسر البنزين المعركة داخل الصين؟

وفق تحليل رويترز، شهدت الصين خلال خمس سنوات فقط تحولاً جذرياً في طلب المستهلكين، حيث ارتفعت حصة السيارات الكهربائية والهجينة إلى نصف المبيعات تقريباً، بقيادة شركات مثل BYD التي تجاوزت مبيعاتها حاجز الملايين سنوياً، إضافة إلى علامات صاعدة مدعومة حكومياً. وقد أدى ذلك إلى انهيار مبيعات السيارات العاملة بالبنزين من شركات تقليدية كانت تسيطر على السوق لعقود، مثل SAIC و Dongfeng و Changan و BAIC.

ولم تكن الشركات الغربية بمنأى عن هذا الانهيار. فقد تقلّصت مبيعات Volkswagen بنسبة حادة، بينما انهارت مبيعات GM داخل الصين من أكثر من 1.4 مليون مركبة إلى أقل من 450 ألفاً خلال أربع سنوات، وفق بيانات نقلتها رويترز. ويصف مسؤولو الشركات الوضع بأنه «أكبر صدمة تتعرض لها الصناعة منذ ظهور السيارات اليابانية».

قنبلة الفائض الإنتاجي: مصانع عملاقة بلا مشترين

تشير رويترز إلى أن جذور أزمة التصدير تعود إلى قرار صيني استراتيجي اتخذ قبل أكثر من عشر سنوات، حين شجعت الحكومة المركزية والحكومات المحلية بناء مصانع جديدة بهدف تعزيز قطاع السيارات. ومع صعود السيارات الكهربائية لاحقاً، وجدت الشركات نفسها أمام طاقات إنتاجية هائلة لم يعد السوق المحلي قادراً على استيعابها.

ويقدّر خبراء تحدثت إليهم رويترز أن الصين تمتلك القدرة على تصنيع أكثر من 30 مليون سيارة بنزين سنوياً، في حين أن الطلب الفعلي لا يتجاوز نصف هذا الرقم. هذا يعني وجود فائض إنتاجي يتراوح بين 12 إلى 15 مليون سيارة بلا مشترين داخل البلاد.

هذا الفائض أدى إلى واحدة من أعنف حروب الأسعار في تاريخ الصناعة. تقول رويترز إن بعض النماذج بيعت بأسعار تقل عن تكلفتها التشغيلية، بينما لجأت شركات أخرى إلى تخفيضات تتجاوز 30% فقط للحفاظ على حركة الإنتاج وعدم إغلاق المصانع. وفي ظل هذه الضغوط، لم يعد أمام الشركات خيار سوى التوجه إلى الأسواق العالمية.

انتشار خارجي واسع: كيف غزت السيارات الصينية أوروبا الشرقية وأميركا اللاتينية وأفريقيا؟

ترصد رويترز خريطة انتشار السيارات الصينية عالمياً، وتكشف أن 76٪ من جميع صادرات السيارات الصينية منذ عام 2020 كانت من سيارات البنزين، رغم الحديث العالمي عن تفوق الصين في السيارات الكهربائية. وتبيّن الوكالة أن الصين شحنت العام الماضي ما يزيد عن 6.5 مليون سيارة، وهو رقم يتجاوز صادرات اليابان وألمانيا وكوريا الجنوبية مجتمعة.

في بولندا، ظهرت أكثر من 30 علامة صينية جديدة خلال عام واحد فقط، ما جعل بعض المسؤولين المحليين يصفون الوضع بأنه «تسونامي سيارات». والكثير من هذه العلامات يقدم طرازات متقاربة السعر والتصميم، لكنها تتفوق غالباً من حيث التجهيزات الرقمية وأنظمة السلامة مقارنة بنماذج أوروبية مماثلة.

في أوروغواي، تُباع شاحنة Dongfeng Rich 6 التي تشبه بشكل شبه كامل سيارة Nissan Frontier، لكنها تُباع بسعر يبدأ من 21,490 دولاراً مقابل 30,990 دولاراً لنسخة نيسان. وتؤكد رويترز أن المستهلكين يعتبرون الفارق السعري «مقنعاً لدرجة لا تُقاوم».

وفي جنوب أفريقيا، قفزت حصة الشركات الصينية من 10٪ إلى نحو 16٪ خلال عام واحد، بينما تراجعت مبيعات Toyota بنسبة 15٪، وفق بيانات حصلت عليها رويترز.

صعود علامات صينية محددة: Chery وDongfeng وChangan في الواجهة

تسلط رويترز الضوء على نمو مذهل لشركة Chery التي قفزت مبيعاتها العالمية من نحو 700 ألف مركبة عام 2020 إلى 2.6 مليون مركبة عام 2024، معظمها من سيارات البنزين. وتعمل الشركة على توسيع علامتها الفرعية Jetour في أوروبا، مستهدفة تغطية القارة كاملة بحلول 2027.

أما شركة Dongfeng، فتعتمد اليوم بشكل رئيسي على التصدير لتعويض خسائرها المحلية، ويقول مسؤولها الأوروبي إن الشركة «محمية بالكامل» لأنها شركة مملوكة للدولة، ما يعني أنها لن تتعرض للإفلاس مهما كانت قوة المنافسة.

وإلى جانب ذلك، تعمل شركات مثل Changan على تعديل طرازات خاصة للأسواق الناشئة بما يناسب البنية التحتية الضعيفة في تلك الدول، مما يمنحها مرونة أكبر من منافسيها الغربيين.

ضغوط غير مسبوقة على الشركات الغربية

تكشف رويترز عن حالة قلق داخل شركات مثل GM و Ford و Stellantis، التي تجد نفسها فجأة أمام منافسة شرسة في أسواق لطالما كانت تهيمن عليها. ففي المكسيك، وصلت حصة الشركات الصينية إلى 14٪ ومن المتوقع أن تتجاوز 200 ألف مركبة سنوياً. وأثارت هذه الأرقام ضغوطاً سياسية شديدة على الولايات المتحدة، التي تخشى أن تستخدم الصين المكسيك كـ منفذ خلفي لدخول السوق الأميركية.

في روسيا، شكّلت السيارات الصينية نحو 64٪ من السوق العام الماضي، وهو ما دفع موسكو لفرض رسوم ثابتة بقيمة 7,500 دولار على كل سيارة صينية جديدة.

تدخلات حكومية حول العالم: محاولة لوقف الموجة

ورد في تقرير رويترز أن عدة دول بدأت اتخاذ إجراءات لحماية صناعاتها الوطنية. فقد رفعت المكسيك الرسوم الجمركية على السيارات الصينية بنسبة وصلت إلى 50٪. كما هدّدت جنوب أفريقيا بفرض قيود مماثلة إذا لم تبدأ الشركات الصينية ببناء مصانع محلية.

ورغم ذلك، تشير رويترز إلى أن هذه الإجراءات تأتي متأخرة، وأن الصين سبقت بالفعل في تثبيت وجود تجاري يصعب التراجع عنه.

توسّع استراتيجي بعيد المدى: ما الذي تسعى إليه الصين فعلاً؟

تقول رويترز إن موجة تصدير سيارات البنزين ليست مجرد محاولة لتصريف مخزون فائض، بل جزء من استراتيجية اقتصادية متكاملة تهدف إلى:

ترسيخ العلامات الصينية في الأسواق الناشئة. خلق تبعية طويلة الأمد لشبكات الصيانة وقطع الغيار الصينية. تهيئة هذه الأسواق للانتقال مستقبلاً إلى السيارات الكهربائية الصينية.

وترى الوكالة أن الصين تطبق في قطاع السيارات النموذج نفسه الذي استخدمته مسبقاً في قطاعات مثل الألواح الشمسية و الصلب و الإلكترونيات: إنتاج ضخم، أسعار منخفضة، ثم سيطرة على سلاسل التوريد العالمية.

هل ينهار ميزان القوى في صناعة السيارات؟

يخلص تحقيق رويترز إلى أن العالم ربما يبالغ في التركيز على خطر السيارات الكهربائية الصينية داخل أوروبا وأميركا، بينما تكمن المعركة الحقيقية في الأسواق الناشئة التي أصبحت ساحة مفتوحة تماماً للسيارات الصينية العاملة بالبنزين. وفي هذه الأسواق تحديداً، تظهر الشركات الصينية قدرتها على الجمع بين الإنتاج الضخم، والدعم الحكومي، وتخفيض الأسعار، وتكييف المنتجات وفقاً لحاجات كل سوق.

ومع استمرار هذا الاتجاه، قد تجد الشركات الغربية نفسها خارج المنافسة في أجزاء واسعة من العالم خلال أقل من خمس سنوات. وتؤكد رويترز أن ما نشهده اليوم ليس مجرد فائض إنتاج، بل إعادة بناء كاملة للتوازن الصناعي العالمي، تقودها الصين بثقة وبنية استراتيجية طويلة المدى.

المصدر: رويترز

اقرأ أيضاً