أعلنت الأمم المتحدة عن توقيع معاهدة دولية جديدة لمكافحة الجرائم الإلكترونية في العاصمة الفيتنامية هانوي يوم السبت الموافق 25 أكتوبر 2025, وذلك بمشاركة نحو 60 دولة، في خطوة وصفت بأنها الأوسع نطاقاً لمواجهة الجرائم الرقمية التي تكبد الاقتصاد العالمي تريليونات الدولارات سنوياً. ومن المقرر أن تدخل المعاهدة حيز التنفيذ بعد تصديق 40 دولة عليها رسمياً.
اتفاق تاريخي لحماية الفضاء السيبراني
في افتتاح المؤتمر، قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إن الفضاء الإلكتروني أصبح أرضاً خصبة للمجرمين حول العالم، موضحاً أن المعاهدة الجديدة تمثل أداة قانونية ملزمة لتعزيز الدفاعات المشتركة ضد الجرائم الإلكترونية.
وأضاف غوتيريش: “كل يوم نشهد عمليات احتيال متطورة تسرق أرزاق الناس وتكبد الاقتصادات خسائر هائلة، وهذه الاتفاقية تمثل خطوة مهمة لتوحيد الجهود العالمية ضد هذا الخطر المتنامي”.
المعاهدة تغطي مجموعة واسعة من الجرائم الإلكترونية، بدءاً من الاحتيال والقرصنة الإلكترونية ووصولاً إلى برامج الفدية والاتجار عبر الإنترنت وخطاب الكراهية، حيث تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن الجرائم الإلكترونية تكلف الاقتصاد العالمي أكثر من 8 تريليونات دولار سنوياً، ومن المتوقع أن تتجاوز 10.5 تريليونات دولار بحلول عام 2026.
مخاوف من انتهاكات محتملة للخصوصية
رغم الترحيب الدولي بالاتفاق، أثارت بنوده جدلاً واسعاً في الأوساط الحقوقية والتقنية، إذ حذرت منظمات المجتمع المدني وشركات التكنولوجيا الكبرى من أن الصياغة الفضفاضة لبعض البنود قد تسمح بإساءة استخدامها.
وأصدرت اتفاقية الأمن السيبراني التقنية، التي تضم شركات مثل ميتا ومايكروسوفت، بياناً وصفت فيه المعاهدة بأنها “اتفاقية مراقبة” قد تتيح تبادل البيانات بين الحكومات بطرق تهدد الخصوصية أو تجرم الباحثين الأخلاقيين الذين يختبرون الأنظمة للكشف عن الثغرات.
من جانبها، أكدت مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة (UNODC)، الذي قاد المفاوضات حول الاتفاقية، أن النص النهائي يتضمن بنوداً واضحة لحماية حقوق الإنسان ويشجع على الأبحاث المشروعة في مجال الأمن السيبراني.
مشاركة دولية واسعة وجدال سياسي
وشهدت مراسم التوقيع حضور وفود من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وكندا إلى جانب عدد من الدول الآسيوية والأفريقية. واعتبر الرئيس الفيتنامي لونغ كوانغ أن توقيع المعاهدة يمثل ولادة أداة قانونية عالمية جديدة تعزز مبدأ التعاون المتعدد الأطراف وتؤكد التزام الدول بتحقيق السلم والأمن والتنمية.
لكن استضافة فيتنام للحدث أثارت انتقادات من منظمات حقوقية، إذ أشارت وزارة الخارجية الأمريكية إلى وجود “انتهاكات كبيرة لحقوق الإنسان” في البلاد، بما في ذلك الرقابة على الإنترنت واعتقال ما لا يقل عن 40 شخصاً هذا العام بسبب التعبير عن آرائهم عبر الشبكة. ورغم ذلك، تعتبر هانوي هذه المعاهدة فرصة لتعزيز مكانتها الدولية وتحسين قدراتها في مواجهة الهجمات السيبرانية المتزايدة على بنيتها التحتية الحيوية.
تحديات أمام التنفيذ
ويرى الخبراء أن نجاح المعاهدة سيعتمد على كيفية تطبيقها وموازنتها بين الأمن والخصوصية، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بتبادل البيانات بين الدول وحماية الأفراد من المراقبة غير القانونية.
ويؤكد محللون أن هذه الاتفاقية تمثل تحولاً جوهرياً في إدارة الفضاء السيبراني العالمي، لكنها ستحتاج إلى التزام سياسي وتشريعي من الدول الأعضاء لضمان أن تظل أداة لحماية المجتمعات وليس لمراقبتها.
واختتم غوتيريش قائلاً: “العالم الرقمي يوحدنا جميعاً، وهذه المعاهدة يجب أن تضمن أن الحماية تشملنا جميعاً بالتساوي”.
المصدر: رويترز نقلاً عن مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة


