أعلنت شركة هوندا موتور (Honda Motor Co)، يوم الأربعاء، عن تعليق إنتاجها في مصنعها بمدينة سيلايا بوسط المكسيك بعد تفاقم أزمة نقص الرقائق الإلكترونية التي ضربت صناعة السيارات العالمية. وقالت الشركة إن هذه الخطوة جاءت نتيجة الخلاف الدبلوماسي المتصاعد بين هولندا والصين بشأن شركة تصنيع الرقائق نيكسبيريا (Nexperia)، التابعة لمجموعة وينغ تك تكنولوجي الصينية (Wingtech Technology)، وهو ما تسبب في تعطيل سلاسل التوريد الحيوية.
ويعد هذا التطور أول تأثير مباشر للأزمة على شركة سيارات يابانية، ما يعكس حجم ترابط الاقتصاد العالمي في ظل الاعتماد المتزايد على المكونات الإلكترونية في صناعة المركبات الحديثة. وتشير التقارير إلى أن المصنع المتوقف ينتج طرازات مثل السيارة الرياضية متعددة الاستخدامات HR-V بطاقة إنتاج سنوية تبلغ 200 ألف سيارة، وتم تعليق الإنتاج بالكامل يوم الثلاثاء بالتوقيت المحلي.
التأثير على إنتاج أمريكا الشمالية
ذكرت هوندا أنها بدأت باتخاذ إجراءات طارئة تشمل تعديل خطوط الإنتاج في مصانعها بالولايات المتحدة وكندا، بهدف الحد من تأثير الانقطاع في التوريد. وأوضحت الشركة أن السوق الأميركية تمثل نحو 40 إلى 45% من إجمالي أرباحها العالمية، ما يجعل أي تراجع في الإنتاج هناك ضربة قوية لأدائها المالي خلال الربع الأخير من عام 2025.
ورغم أن الشركة لم تكشف عن مدة التوقف المتوقعة أو حجم الخسائر المحتملة، فإن مصادر في قطاع السيارات رجحت أن يؤدي استمرار الأزمة إلى خفض إنتاج هوندا في أمريكا الشمالية بنسبة تتراوح بين 15 و20% إذا لم يتم تأمين مصادر بديلة للرقائق خلال الأسابيع المقبلة.
ويرى محللون أن المصنع المكسيكي يلعب دوراً محورياً في تزويد الأسواق الإقليمية بطرازات اقتصادية ومتوسطة الحجم، مما يعني أن التوقف قد يؤثر أيضاً على المخزون المتاح في أسواق أميركا اللاتينية. كما حذر خبراء من أن شركات مثل نيسان وتويوتا قد تواجه اضطرابات مماثلة إذا استمرت الأزمة دون حل دبلوماسي سريع.
جذور الأزمة بين الصين وهولندا
تعود جذور النزاع إلى قرار الحكومة الهولندية في نهاية سبتمبر الماضي بفرض سيطرة الدولة على شركة نيكسبيريا، بدعوى وجود ثغرات في حوكمتها الداخلية ومخاوف تتعلق بنقل التكنولوجيا الحساسة إلى الصين. وردت بكين بفرض حظر شامل على تصدير منتجات نيكسبيريا من الصين، ما أدى إلى نقص حاد في الإمدادات العالمية للرقائق الأساسية منخفضة التكلفة المستخدمة في السيارات والأجهزة الإلكترونية.
تُعد نيكسبيريا واحدة من أكبر الشركات في العالم في مجال إنتاج المكونات الإلكترونية البسيطة، إذ تصنع أكثر من 110 مليارات شريحة سنوياً تُستخدم في السيارات، والهواتف الذكية، والأجهزة المنزلية. وتعتمد عليها مئات الشركات المصنعة في آسيا وأوروبا وأمريكا الشمالية لتلبية احتياجاتها الإنتاجية اليومية. ومع توقف صادراتها من الصين، بدأت سلاسل التوريد العالمية بالاختناق، ما دفع بعض المصانع إلى تعليق العمل كلياً أو تقليص الإنتاج بشكل كبير.
تداعيات أوسع على الصناعة اليابانية والعالمية
أعربت رابطة مصنعي السيارات اليابانيين (JAMA) في بيان صدر الأسبوع الماضي عن قلقها العميق من تداعيات الأزمة، مؤكدة أن استمرار هذا الوضع “قد تكون له تأثيرات كارثية على الإنتاج العالمي لصناعة السيارات”. ودعت الرابطة الحكومات في كل من أوروبا والصين إلى استئناف الحوار الدبلوماسي لتجنب شلل صناعي يهدد آلاف الوظائف وسلاسل التوريد العالمية.
ويرى خبراء الصناعة أن الأزمة الحالية تُظهر مدى هشاشة قطاع السيارات أمام النزاعات الجيوسياسية، خاصة في ظل التحول العالمي نحو المركبات الكهربائية التي تعتمد بشكل أكبر على المكونات الإلكترونية. كما أشار محللون إلى أن أي اضطراب إضافي في إنتاج الرقائق قد يؤثر على شركات كبرى مثل فورد وجنرال موتورز وبي إم دبليو، والتي تعتمد على نفس الموردين.
سيناريوهات المستقبل ومحاولات احتواء الأزمة
تعمل هوندا حالياً على دراسة إمكانية التحول إلى موردين بديلين في اليابان وتايوان وكوريا الجنوبية لتقليل الاعتماد على الرقائق الأوروبية والصينية. كما تدرس الحكومة اليابانية خطة دعم طارئة بقيمة 300 مليار ين (حوالي ملياري دولار) لتعزيز تصنيع الرقائق محلياً وتقديم حوافز للشركات لتوسيع الإنتاج الداخلي.
وفي الوقت ذاته، تواصل الحكومتان الهولندية والصينية محادثات سرية عبر قنوات دبلوماسية لإيجاد حل وسط، حيث تشير مصادر إلى احتمال إنشاء لجنة إشراف دولية لضمان الشفافية في إدارة نيكسبيريا وإعادة فتح صادراتها. إلا أن محللين حذروا من أن الوصول إلى اتفاق نهائي قد يستغرق شهوراً، ما يعني أن تداعيات الأزمة على شركات السيارات مثل هوندا قد تستمر حتى النصف الأول من عام 2026.
أزمة تكشف هشاشة الاقتصاد العالمي
يقول محللون اقتصاديون إن أزمة هوندا تمثل إنذاراً جديداً حول اعتماد الاقتصاد العالمي على سلاسل توريد محدودة ومعقدة. ومع تصاعد التوترات الجيوسياسية بين الصين والغرب، قد يصبح تأمين الرقائق والمكونات الدقيقة مسألة أمن قومي للدول الصناعية الكبرى.
ويؤكد مراقبون أن الأزمة الحالية ستدفع الشركات اليابانية إلى تسريع خططها نحو الاستقلال التكنولوجي وزيادة الاستثمار في الأبحاث والتطوير، في محاولة لتجنب تكرار مثل هذه الانقطاعات في المستقبل.
المصدر: وكالة كيوتو نيوز


