الخلفية:

النمسا تلاحق كليرفيو بتهم انتهاك الخصوصية الأوروبية

كليرفيو تواجه اتهامات بانتهاك الخصوصية وجمع بيانات بيومترية لملايين الأوروبيين:

قدّمت منظمة الخصوصية النمساوية noyb، بقيادة المحامي والناشط الحقوقي المعروف ماكس شريمز، شكوى جنائية موسّعة ضد شركة كليرفيو (Clearview AI) الأميركية، متهمة إياها بانتهاك القوانين الأوروبية من خلال جمع صور ومقاطع فيديو لملايين المواطنين الأوروبيين بشكل غير قانوني. وتُعد هذه الخطوة أول محاولة في أوروبا لتحويل انتهاكات اللائحة العامة لحماية البيانات (GDPR) من مستوى الغرامات الإدارية إلى المساءلة الجنائية المباشرة.

خلفية القضية وتفاصيل الاتهامات

تؤكد المنظمة أن الشركة انتهكت اللائحة العامة لحماية البيانات الأوروبية عبر جمع بيانات حساسة دون موافقة مسبقة، مستغلة صوراً منشورة على الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي لبناء قاعدة بيانات ضخمة تُستخدم في تقنيات التعرف على الوجوه. وتوضح noyb أن القوانين النمساوية تسمح بملاحقة المخالفات الجسيمة جنائياً، ما قد يؤدي إلى تحميل المديرين التنفيذيين في كليرفيو مسؤولية شخصية تصل إلى عقوبات بالسجن في حال الإدانة.

وتأتي هذه الشكوى بعد سلسلة من العقوبات الأوروبية على الشركة، حيث فرضت فرنسا واليونان وإيطاليا وهولندا غرامات تجاوزت 100 مليون يورو (116.6 مليون دولار) بسبب استخدام بيانات المواطنين الأوروبيين لأغراض تجارية وأمنية دون شفافية أو إذن.

أنشطة الشركة ومبرراتها القانونية

تُعد كليرفيو من أبرز الشركات الأميركية في مجال الذكاء الاصطناعي والتعرف على الوجوه، وتقول إنها جمعت أكثر من 60 مليار صورة من مصادر عامة عبر الإنترنت. وتؤكد الشركة أن هدفها مساعدة أجهزة إنفاذ القانون في تحديد المجرمين والمفقودين، لكنها تواجه انتقادات متزايدة لأنها تجمع صوراً لأفراد عاديين دون علمهم.

وتدّعي الشركة أن عملياتها تقع خارج نطاق الاتحاد الأوروبي لأنها لا تقدم خدمات مباشرة لمواطنيه، غير أن منظمة noyb ترفض هذا الادعاء وتؤكد أن كليرفيو تستفيد مادياً من معالجة بيانات الأوروبيين، ما يجعلها خاضعة للائحة GDPR. وتشير المنظمة إلى أن الشركة تجاهلت قرارات الجهات التنظيمية ولم تدفع الغرامات المفروضة عليها، ما دفعها للجوء إلى المسار الجنائي أملاً في تحقيق ردع فعّال.

سوابق قانونية أوروبية

في المملكة المتحدة، فرضت السلطات غرامة قدرها 7.5 ملايين جنيه إسترليني على الشركة بعدما قضت المحكمة بأن خدماتها تُستخدم لتحديد الأفراد وتحليل سلوكهم في الأماكن العامة والخاصة. ورُفض استئناف الشركة في أكتوبر 2025، لتُحال القضية إلى محكمة أدنى للنظر في التنفيذ.

وفي هولندا، غرّمت هيئة حماية البيانات الشركة 30.5 مليون يورو في سبتمبر 2024 بسبب جمعها غير المشروع لبيانات المواطنين. كما تبنت ألمانيا وإسبانيا مواقف داعمة للعقوبات الأوروبية، مطالبتين بتشديد الرقابة على الشركات الأجنبية التي تجمع بيانات حساسة.

التداعيات القانونية والسياسية

يرى خبراء قانونيون أن قبول النيابة العامة النمساوية لهذه القضية سيكون اختباراً حقيقياً لقدرة الاتحاد الأوروبي على فرض العقوبات الجنائية على شركات أجنبية. وإذا مضت الدعوى قدماً، فستشكل سابقة قانونية تسمح بملاحقة شركات التكنولوجيا التي تعالج بيانات الأوروبيين دون إذن، ما يشمل شركات كبرى في الولايات المتحدة.

وفي حال الإدانة، قد تواجه كليرفيو غرامات إضافية بملايين اليوروهات، وربما تصدر مذكرات توقيف بحق مسؤولين تنفيذيين. كما قد تُجبر واشنطن وبروكسل على تحديث اتفاقيات نقل البيانات عبر الأطلسي لضمان حماية أفضل للمستخدمين الأوروبيين.

تصريحات وردود الفعل

قال ماكس شريمز في بيانه إن قاعدة بيانات كليرفيو “تمكّن من التعرف على الأشخاص في ثوانٍ باستخدام صورهم المنتشرة على الإنترنت”، معتبراً أن هذا يمثل “تهديداً مباشراً لمفهوم المجتمع الحر، حيث يجب أن تكون المراقبة استثناءً لا قاعدة”. وأضاف أن القضية تمثل لحظة فاصلة في معركة أوروبا من أجل حماية الخصوصية.

ورفضت كليرفيو التعليق على تفاصيل الشكوى، لكنها أكدت أنها “تلتزم بالقوانين المحلية في جميع الأسواق التي تعمل بها”. في المقابل، يرى محللون أن موقف الشركة يُظهر اتساع الفجوة بين أنظمة الخصوصية الأميركية والأوروبية، خاصة مع تصاعد الجدل حول استخدام تقنيات المراقبة في عصر الذكاء الاصطناعي.

أهمية القضية لمستقبل الخصوصية الرقمية

تعتبر هذه القضية اختباراً محورياً لمستقبل الخصوصية الرقمية في أوروبا، إذ يُتوقع أن تحدد نتائجها كيفية تعامل الاتحاد الأوروبي مع الشركات الأجنبية التي تتعامل مع البيانات البيومترية الحساسة. وإذا نجحت النمسا في تطبيق العقوبات الجنائية، فقد تتبعها دول أخرى لتوسيع نطاق الحماية القانونية ضد انتهاكات الذكاء الاصطناعي والمراقبة الرقمية.

المصدر: رويترز

اقرأ أيضاً