يشهد بحر البلطيق تحولا استراتيجيا مهما مع عودة الغواصات الاكثر تقدما في العالم التابعة لحلف شمال الاطلسي الى مياهه للمرة الاولى منذ الحرب العالمية الثانية. وتعيد هذه العودة رسم ملامح التوازن العسكري في المنطقة التي لعبت دورا محوريا في صراعات القرن العشرين، بينما تتقدم اليوم الى واجهة المواجهة الجيوسياسية بين الناتو وروسيا، خصوصا بعد انضمام السويد رسميا الى الحلف.
تمرين ميرلن واعادة تشكيل قوة الناتو البحرية
جاءت عودة الغواصات ضمن مناورة واسعة تعرف باسم تمرين “ميرلن“، وهي اكبر تدريبات للحرب المضادة للغواصات في المنطقة منذ عقود. يشارك في هذه المناورة اسطول متكامل من الغواصات وسفن السطح وطائرات الدوريات البحرية من السويد والمانيا وهولندا وفرنسا والولايات المتحدة.
ويهدف التمرين الى رفع جاهزية قوات الحلف في بيئة بحر البلطيق المعقدة وغير العميقة، والتي تشكل تحديا فنيا وعملياتيا بسبب كثرة الالغام البحرية وممرات الشحن المزدحمة والتهديدات الروسية المتصاعدة.
قال الادميرال الاميركي بريت جابي، قائد قوات الغواصات الاميركية في اوروبا، ان انضمام السويد الى الحلف حول البحر فعليا الى “بحيرة للناتو”، مشيرا الى ان الحلف يحقق تفوقا يصل الى اربعة مقابل واحد مقارنة بالوجود الروسي. واضاف ان هذا التفوق قائم على اسطول من الغواصات متعددة المهام القادرة على تنفيذ مهام استخبارات ومراقبة واستطلاع وعمليات خاصة اضافة الى تشغيل انظمة غير ماثلة.
السويد من دولة محايدة الى خط دفاع اول
انهى انضمام السويد في مارس الفين واربعة وعشرين عقودا من الحياد العسكري، لتتحول الى خط مواجهة رئيسي في الدفاع عن الجبهة الشرقية للحلف الممتدة من سواحل فنلندا الى دول البلطيق. واكد الادميرال يوهان نورلين، قائد البحرية السويدية، ان بلاده اليوم لا تدافع فقط عن مياهها الاقليمية، بل عن امن دول كاملة تقع على الضفة الشرقية للبحر.
وتواجه السويد تحديات امنية متزايدة مصدرها روسيا، بما في ذلك نشاط غواصات الديزل الروسية من طراز كيلو والتي يتراوح عددها بين غواصتين وثلاث تعمل انطلاقا من كالينينغراد. كما تشمل التهديدات عمليات محتملة تستهدف البنى التحتية تحت البحر، مثل خطوط الطاقة وكابلات الاتصالات، وهي اهداف شديدة الحساسية في صراع حديث يعتمد بشكل كبير على المعلومات والطاقة.
تحديث الاسطول السويدي وتطوير الغواصات
يعد اسطول الغواصات السويدي من بين الاكثر تقدما عالميا بفضل تقنيات التخفي وانظمة الدفع المستقل عن الهواء. واشتهرت غواصة من فئة غوتلاند عام الفين وخمسة عندما نجحت في تنفيذ هجوم افتراضي اغرق حاملة الطائرات الاميركية رونالد ريغان خلال مناورة من دون ان تكتشفها الدفاعات الاميركية، وهو انجاز سلط الضوء على قدرات السويد البحرية.
وتعمل السويد حاليا على تطوير غواصات الجيل الجديد من فئة ايه ستة وعشرين بليقينغه، حيث يجري بناء غواصتين هما اتش ام اس بليقينغه واتش ام اس سكونه في احواض شركة ساب كوكمز. وتتميز الغواصات بانظمة دفع ستيرلينغ المستقلة عن الهواء، وبوابات متعددة للقيام بمهام غير ماثلة تشمل اطلاق مركبات ذاتية التشغيل ودعم عمليات الغطس القتالي. كما تتمتع الغواصات بقدرات متقدمة لحروب قاع البحر وحماية الكابلات.
ورغم ذلك، يواجه البرنامج تاخيرات وتجاوزات مالية كبيرة. فقد كان مقررا تسليم الغواصتين عام الفين واربعة وعشرين، الا ان الموعد الجديد يمتد حتى عام الفين وواحد وثلاثين وعام الفين وخمسة وثلاثين. كما تضاعفت التكلفة لتبلغ خمسة وعشرين مليار كرونر اي ما يعادل مليارين وست مئة مليون دولار. واكدت ادارة العتاد الدفاعي في السويد ان المشروع رغم تعقيداته اصبح اليوم اكثر استقرارا من الناحية التقنية والمالية.
فرقاطات جديدة لتعزيز قوة السطح
بالتوازي مع تطوير الغواصات، تعمل البحرية السويدية على تصميم فئة جديدة من الفرقاطات تحت اسم لوليو. وتتميز هذه السفن بكونها اكبر بمرتين تقريبا من كورفيتات فيسباي الحالية، كما انها مجهزة بانظمة دفاع جوي متقدمة تشمل صواريخ الاطلاق العمودي.
وتقول البحرية السويدية ان زيادة حجم السفن ضرورة حتمية لاستيعاب منظومات الدفاع الجوي المستقبلية والمعدات غير الماثلة والتقنيات الناشئة. وتتنافس شركات عالمية مثل ساب وبابكوك ونفال غروب ونانتيا على الحصول على العقد، ومن المتوقع تسليم اول سفينتين عام الفين وثلاثين واستكمال الاسطول عام الفين وخمسة وثلاثين.
البحر الذي يعود الى الواجهة
يعود بحر البلطيق من جديد ليشكل ساحة استراتيجية اساسية في المشهد الامني العالمي. فالمياه التي شهدت تنافس الامبراطوريات والحرب الباردة تستقبل اليوم اسطولا من الغواصات الحديثة تحت راية واحدة. ويؤشر ذلك الى انتقال المنطقة من مرحلة ردع التقليدي الى نمط اوسع من التكامل البحري الذي يعزز قدرة الناتو على حماية البنى التحتية الحيوية ومراقبة النشاطات البحرية وردع اي تهديد محتمل.
المصدر: ساينتيفيك امريكان


