اتخذ الاتحاد الأوروبي خطوة جديدة لتعزيز أمن ومرونة القطاع المالي وبنيته التحتية الرقمية، بعدما أعلنت ثلاث هيئات رقابية أوروبية في 18 نوفمبر 2025 تصنيف 19 شركة تقنية كبيرة باعتبارها «مزودين حاسمين أو حرجين لخدمات الحوسبة» التي تعتمد عليها البنوك وشركات التأمين وأسواق المال في الاتحاد الأوروبي، ومن بينها أمازون ويب سيرفيسز (Amazon Web Services)، وغوغل كلاود (Google Cloud)، ومايكروسوفت (Microsoft).
يأتي هذا التصنيف في إطار تطبيق لائحة المرونة التشغيلية الرقمية DORA، التي دخلت حيّز التنفيذ مطلع 2025، وتمنح ثلاث هيئات رقابية على مستوى الاتحاد صلاحية مشتركة لتحديد الشركات التقنية التي أصبحت حيوية لاستمرار عمل المؤسسات المالية، وبالتالي مراقبتها مباشرة. والثلاث هيئات هي الهيئة المصرفية الأوروبية، وهيئة التأمين والمعاشات المهنية، وهيئة الأوراق المالية والأسواق الأوروبية
لماذا هذا التصنيف الآن؟
يعتمد القطاع المالي الأوروبي بشكل متزايد على خدمات الحوسبة السحابية والخدمات التقنية الخارجية لتشغيل عملياته الأساسية مثل معالجة المدفوعات، وإدارة المخاطر، والتداول الإلكتروني. وتخشى الجهات الرقابية من أن تعطلًا فنيًا كبيرًا أو هجومًا سيبرانيًا يصيب أحد المزودين المشتركين بين عشرات أو مئات البنوك والشركات المالية وبالتالي قد يتسبب في اضطرابات واسعة النطاق، بل وربما أزمة نظامية.
الشركات المصنّفة
شملت القائمة التي أعلنتها الهيئات الثلاث الفروع الأوروبية للشركات التالية (بالإضافة إلى 11 شركة أخرى لم تُذكر بالتفصيل في البيان الأولي):
Amazon Web Services
Google Cloud
Microsoft
IBM
Bloomberg
London Stock Exchange Group (LSEG)
Orange
Tata Consultancy Services
وسيخضع هؤلاء المزودون لرقابة مباشرة من الهيئات الأوروبية الثلاث، التي ستتأكد من وجود إطار قوي لإدارة المخاطر والحوكمة يضمن استمرارية الخدمات حتى في ظل الضغوط أو الحوادث الكبرى.
ردود فعل الشركات
رحّبت مجموعة بورصة لندن (LSEG) بالتصنيف واعتبرته اعترافًا بأهميتها.
أكدت غوغل كلاود ترحيبها بالقرار عبر موقعها الرسمي.
قالت مايكروسوفت إنها ملتزمة تمامًا بقوانين الأمن السيبراني والمرونة الأوروبية.
أفادت أمازون ويب سيرفيسز بأنها كانت تستعد لهذا التصنيف منذ فترة وستواصل التعاون البنّاء مع الجهات الرقابية.
أشار متحدث باسم IBM إلى أن الشركة تعمل باستمرار على تعزيز إجراءات الأمن السيبراني.
لم ترد Bloomberg وOrange وTata Consultancy Services حتى الآن على طلبات التعليق.
تأتي هذه الخطوة في وقت تتزايد فيه مخاوف المسؤولين الأوروبيين بشأن قدرة النظام المالي على الصمود أمام التوترات الجيوسياسية و الهجمات السيبرانية والأعطال الكبرى في منصات التكنولوجيا العالمية.
البنك المركزي الأوروبي حذّر مؤخرًا من أن الاعتماد المفرط على عدد محدود من مزوّدي التكنولوجيا قد يتحول إلى نقطة ضعف هيكلية إذا لم تُخضَع هذه الشركات لرقابة صارمة.
وفي الوقت نفسه، تمضي المملكة المتحدة في إعداد نظام مشابه بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي، لكنها لم تُعلن بعد أسماء الشركات التي ستُصنّف كمزوّدين حَرِجِين، مع توقع صدور هذه التعيينات خلال عام تقريبًا.
بهذا الإجراء، يؤكد الاتحاد الأوروبي عزمه تقليل اعتماده على عدد محدود من عمالقة التقنية الأمريكية والعالمية في تشغيل بنيته المالية، وفرض معايير أوروبية صارمة للأمن والاستمرارية، في وقت تتسارع فيه المنافسة العالمية على السيادة الرقمية.
بالنسبة لمزوّدي السحابة، يعني هذا التصنيف مسؤولية أكبر ورقابة أدق، لكنه يمنحهم أيضًا اعترافًا رسميًا بأنهم جزء لا يتجزأ من البنية التحتية المالية الأوروبية.
أما للبنوك والمؤسسات المالية، فيعني أن العلاقة مع هذه الشركات لن تبقى مجرد عقد، بل ستخضع لإطار تنظيمي يهدف إلى ضمان استمرار الخدمات حتى في أصعب الظروف، وتقليل مخاطر «النقطة الواحدة للفشل».


