الخلفية:

Mythos من أنثروبيك يربك البنوك ويختبر حدود التنظيم العالمي

Anthropic دفعت العالم المالي والتنظيمي إلى منطقة جديدة من القلق بعد أن بدأ نموذجها Mythos يتحول من خبر تقني إلى ملف تتعامل معه البنوك والهيئات الرقابية والمفوضية الأوروبية وأجهزة الأمن في وقت واحد. القصة لم تعد عن نموذج ذكاء اصطناعي قوي في البرمجة فقط، بل عن أداة يرى خبراء أنها قد تمتلك قدرة غير مسبوقة على كشف الثغرات السيبرانية واستغلالها، وهو ما يضعها مباشرة أمام أكثر القطاعات حساسية في العالم: القطاع المصرفي.

بحسب رويترز، قالت هيئة الأوراق المالية والاستثمارات الأسترالية (ASIC) إنها تراقب التطورات المرتبطة بـ Mythos مع منظمين آخرين لتقييم الانعكاسات المحتملة على السوق الأسترالية، بينما قالت هيئة التنظيم الاحترازي الأسترالية (APRA) إنها ستواصل تقييم أثر هذه التطورات لضمان سلامة ومرونة النظام المالي. وفي كوريا الجنوبية، عقدت الجهات الرقابية اجتماعات مع مسؤولي أمن المعلومات في المؤسسات المالية لمراجعة المخاطر المرتبطة بالنموذج. وفي أوروبا، قال كريستيان زيفينغ، رئيس اتحاد البنوك الألمانية والرئيس التنفيذي لـ دويتشه بنك (Deutsche Bank)، إن البنوك على اتصال وثيق مع الجهات التنظيمية الأوروبية بشأن Mythos، مضيفاً أن الأمر لا يثير الذعر، لكنه أصبح جزءاً من إدارة المخاطر اليومية داخل القطاع المصرفي.

لماذا يخيف Mythos البنوك تحديداً

الخوف هنا ليس نظرياً. البنوك تعتمد على شبكات معقدة من أنظمة الدفع وقواعد البيانات والواجهات البرمجية والبنية السحابية وأنظمة الامتثال. أي نموذج يستطيع كتابة الشيفرة بمستوى عالٍ، واكتشاف الثغرات، وربط نقاط الضعف ببعضها، يمكن أن يتحول من أداة دفاعية إلى محرك ضغط على أكثر البنى الرقمية حساسية في الاقتصاد. لهذا السبب لا ينظر المنظمون إلى Mythos كمنتج جديد فقط، بل كعامل قد يغير مستوى التهديد السيبراني الذي يجب أن تستعد له البنوك.

ما يجعل القصة أكثر تعقيداً أن القدرة التي تقلق البنوك هي نفسها القدرة التي تجعل الحكومات تريد النموذج. فالأداة التي تستطيع كشف ثغرة مصرفية قبل المهاجمين، تستطيع أيضاً أن ترشد مهاجماً ماهراً إلى كيفية استغلالها بشكل أسرع. هذا هو جوهر القلق الحالي. Mythos ليس مجرد نموذج يجيب عن أسئلة أو يكتب أكواد عادية، بل نموذج يوصف بأنه متقدم في البرمجة والمهام الوكيلة (Agentic Tasks)، أي المهام متعددة الخطوات التي تنفذها الأنظمة بشكل شبه مستقل. وعندما يجتمع هذا مع الأمن السيبراني، فإن النتيجة لا تكون زيادة في الكفاءة فقط، بل ارتفاعاً في سطح المخاطر نفسه.

من ملف تقني إلى أزمة تنظيمية متعددة الجبهات

التطور الأهم في هذه القصة هو أن الرقابة لم تعد محلية. أوروبا دخلت المشهد مبكراً، إذ قالت المفوضية الأوروبية إن Anthropic تناقش معها نماذجها المختلفة، بما فيها النماذج المرتبطة بالأمن السيبراني، والتي لم تكن متاحة بعد داخل الاتحاد الأوروبي. وأضافت المفوضية أن الشركة التزمت باحترام مدونة الممارسات الخاصة بالذكاء الاصطناعي العام الغرض، وأن هناك التزاماً بتقييم المخاطر والتخفيف منها حتى لو لم تكن الخدمة مطروحة فعلياً بعد في أوروبا. هذا مهم لأن الاتحاد الأوروبي لا يريد أن ينتظر وصول النموذج إلى السوق كي يبدأ التعامل معه، بل يتبنى منطق التقييم الاستباقي للمخاطر.

هذا النهج يعكس مشكلة أوسع في تنظيم الذكاء الاصطناعي. الحكومات تعرف أن النماذج الجديدة تتحرك أسرع من القوانين، لكنها لم تعد قادرة على الاكتفاء بالمتابعة من بعيد، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بقطاع مثل المصارف حيث يمكن لهجوم ناجح أن يهز الثقة لا في بنك واحد فقط، بل في النظام المالي نفسه. ولهذا بدأت القصة تأخذ شكل تنظيم متعدد الطبقات: منظمون ماليون، وسلطات إشراف مصرفي، ومنظمون تقنيون، وهيئات أمن قومي، وجميعهم يراقبون الأداة نفسها لكن من زوايا مختلفة.

المفارقة الأمريكية: تحذير وطلب في الوقت نفسه

الولايات المتحدة تقدم ربما أكثر مفارقات هذه القصة وضوحاً. ففي حين استمر الجدل حول العلاقة بين Anthropic والبنتاغون، ظهرت تقارير تفيد بأن وكالة الأمن القومي الأميركية (NSA) تستخدم Mythos Preview رغم وجود توتر سابق مع الشركة وتصنيفها في سياق مخاطر سلاسل التوريد داخل وزارة الدفاع، وفق تقرير Axios الذي نقلته رويترز. هذا يعني أن الدولة نفسها قد تكون في موقعين متناقضين في الوقت نفسه: موقع القلق من المخاطر، وموقع الرغبة في استخدام الأداة بسبب قوتها.

هذا التناقض يشرح كثيراً من المشهد الحالي. الحكومات لا تريد أن تُحرم من مزايا نموذج قد يمنحها تفوقاً في الدفاع السيبراني، لكنها لا تستطيع أيضاً تجاهل حقيقة أن النموذج نفسه قد يخفض عتبة تنفيذ هجمات متقدمة إذا تسربت قدراته أو أسيء استخدامها. لذلك فإن النقاش لم يعد يدور فقط حول ما إذا كان Mythos خطيراً، بل حول من يحق له الوصول إليه، وتحت أي شروط، وبأي ضوابط، وكيف يمكن مراقبة الاستخدام من دون قتل الفائدة الدفاعية التي يقدمها.

ما الذي قد يحدث للبنوك من هنا

في المدى القريب، من المرجح أن تزيد البنوك إنفاقها على اختبارات الاختراق وتقييمات المرونة السيبرانية ومراقبة الطرف الثالث وتحديث إدارة الثغرات. ليس لأن Mythos تسبب بالفعل في حادثة مصرفية كبيرة معلنة، بل لأن مجرد وجود نموذج بهذه القدرات يفرض على القطاع إعادة حساب افتراضاته الأساسية. النماذج التي تستطيع العمل بسرعة أعلى من فرق الهجوم والدفاع البشرية ستدفع المؤسسات إلى تبني أدوات كشف واستجابة أكثر تلقائية، وقد تسرع أيضاً الطلب على حلول الأمن السيبراني المدعوم بالذكاء الاصطناعي.

لكن الأثر لا يتوقف عند الدفاع. هناك أيضاً تكلفة تنظيمية وتشغيلية. البنوك قد تضطر إلى توثيق أكبر لخطط الاستجابة، وإجراء تدريبات أكثر شدة على سيناريوهات تعطل الأنظمة أو استهداف سلاسل المدفوعات أو انكشاف بيانات العملاء. كما قد ترتفع تكاليف الامتثال إذا قررت الهيئات الرقابية إدخال متطلبات جديدة تتعلق بكيفية تقييم مخاطر النماذج المتقدمة. هذا يعني أن Mythos قد لا يضرب البنوك عبر هجوم مباشر فقط، بل عبر رفع كلفة البقاء آمناً في بيئة تهديدات تغيرت فجأة.

الأثر على السوق والذكاء الاصطناعي نفسه

السوق الأوسع سيراقب هذه القصة من زاويتين. الأولى أن النماذج المتقدمة القادرة على البرمجة والهجوم والدفاع قد ترفع قيمة الشركات التي تملك بنية قوية في الأمن السيبراني والبنية السحابية والأدوات الوكيلة. والثانية أن الرقابة المتزايدة قد تبطئ وصول بعض النماذج إلى الأسواق أو تدفع نحو طبقات وصول مقيدة بدل الإتاحة الواسعة. وهذا يعني أن قطاع الذكاء الاصطناعي نفسه قد يدخل مرحلة جديدة لم تعد فيها المنافسة قائمة فقط على من يطلق النموذج الأقوى، بل أيضاً على من يثبت أنه يستطيع التحكم فيه وتنظيمه واحتواء مخاطره.

بالنسبة إلى Anthropic، فإن Mythos أصبح في الوقت نفسه مصدر قوة ومصدر ضغط. النموذج يمنح الشركة مكانة متقدمة في سباق النماذج الوكيلة والقدرات البرمجية، لكنه يضعها أيضاً في مواجهة مباشرة مع أسئلة التنظيم والحوكمة والاستخدام المسؤول. وإذا اتسعت الرقابة من أستراليا وكوريا الجنوبية وأوروبا إلى مزيد من الأسواق، فإن القصة قد تتحول سريعاً من قضية نموذج واحد إلى سابقة تنظيمية ستحدد كيف يتعامل العالم مع الجيل القادم من النماذج عالية الخطورة.

في النهاية، ما يحدث حول Mythos ليس ذعراً مصرفياً، لكنه أيضاً لم يعد مجرد نقاش تقني داخل قطاع الذكاء الاصطناعي. القصة الآن أصبحت أوضح: عندما يصل نموذج واحد إلى مستوى يجعل البنوك والمنظمين وأجهزة الأمن يراقبونه في وقت واحد، فهذا يعني أن الذكاء الاصطناعي دخل مرحلة جديدة، حيث لم تعد قوته تقاس فقط بما يستطيع بناؤه، بل أيضاً بما يمكن أن يزعزعه.

المصدر: رويترز

اقرأ أيضاً