شهد معرض دبي للطيران 2025 حادثاً مأساوياً حين تحطمت مقاتلة تيجاس الهندية الخفيفة خلال عرض جوي استعراضي، ما أدى إلى وفاة الطيار على الفور . وأعلنت وحدات الدفاع المدني أنها تعاملت مع الحادث بأعلى درجات الاحترافية، وسيطرت على النيران خلال وقت قياسي ومنعت انتشارها في منطقة العرض. وقع الحادث في تمام الساعة 2:10 ظهراً بتوقيت الإمارات يوم 21 نوفمبر 2025 أمام مئات الحاضرين، ليضع هذا البرنامج الدفاعي الهندي الطموح تحت أصعب اختبار منذ انطلاقه قبل عقود.
حادث علني يضع مستقبل برنامج تيجاس تحت المجهر
أكد المتحدث باسم القوات الجوية الهندية أن المقاتلة من طراز HAL Tejas فقدت السيطرة خلال مناورة فردية، مشيراً إلى تشكيل لجنة تحقيق رسمية لمعرفة الأسباب الدقيقة.
يمثل هذا السقوط ضربة موجعة لصورة البرنامج الهندي، خاصة أنه جاء خلال عرض دولي كبير تسعى فيه نيودلهي لتسويق Tejas Mk.1A كبديل اقتصادي ومتعدد المهام لدول تبحث عن مقاتلة خفيفة منافسة لطائرات مثل F‑16 الأميركية وJF‑17 الصينية‑الباكستانية.
الطائرة التي بدأت في الثمانينيات وتحولت لرمز “الاستقلال الدفاعي” الهندي
ينتمي مشروع LCA – Light Combat Aircraft إلى ثمانينيات القرن الماضي، حين أرادت الهند استبدال أسطول ميج‑21 السوفيتي بمقاتلة محلية. وُضعت التصاميم تحت إشراف هيئة التطوير الجوي ADA، فيما تولت هندوستان آيرونوتيكس HAL عمليات الإنتاج.
اعتمد تصميم تيجاس على جناح دلتا بدون ذيل لتحقيق قدرة عالية على المناورة وفق مبدأ عدم الاستقرار المتعمد، وهو ما يجعل نظام Fly‑by‑Wire رباعي القنوات مسؤولاً بالكامل عن إبقاء الطائرة متوازنة. كما جرى استخدام هيكل خفيف من المواد المركّبة لتقليل البصمة الرادارية وإطالة عمر الطائرة.
تتميز المقاتلة بقمرة قيادة رقمية Glass Cockpit، ونظام HOTAS، ورادار حديث، وسرعة قصوى 1.8 ماخ، وسقف طيران يبلغ 16 ألف متر، رغم استمرار اعتمادها على المحرك الأميركي GE F404.
برنامج إنتاج يتجاوز 200 مقاتلة واستثمارات ضخمة
بدأت الهند بطلب 40 مقاتلة، ثم وقّعت عام 2021 عقداً لشراء 83 طائرة Tejas Mk.1A، قبل أن تُعلن في 2024–2025 نيتها شراء 97 طائرة إضافية، ليصل العدد المتوقع إلى أكثر من 200 طائرة.
ولتلبية هذا الطلب، افتتحت HAL خط إنتاج ثالث في ناشيك، كما أبرمت اتفاقاً مع جنرال إلكتريك لتجميع أكثر من 100 محرك F404 داخل الهند.
سجل السلامة.. نجاحات ثابتة وحوادث تهدد الثقة الدولية
قبل عام 2024، تمتعت “تيجاس” بسمعة جيدة بعد آلاف الطلعات الناجحة. لكن الحادث الأول في مارس 2024 قرب جايسالمر بسبب خلل في مضخة الزيت لطائرة أحادية المقعد أعاد النقاش حول متانة التصميم.
أما حادث معرض دبي للطيران فيحمل أبعاداً أكثر حساسية لأنه وقع أمام جمهور دولي، وفي ذروة سعي الهند لتسويق المقاتلة. ويأتي هذا ضمن سياق اهتمام دول مثل مصر، وإندونيسيا وسريلانكا ببحث إمكانية الشراء.
لغز المناورة الأخيرة.. ماذا حدث في الثواني الحاسمة؟
تُظهر اللقطات المصوّرة أن الطائرة كانت تنفذ مناورة من نوع Negative‑G Turn، وهي مناورة تفقد فيها الأجنحة جزءاً كبيراً من قوة الرفع، وتعتمد فيها الطائرة على قوة المحرك ونظام التحكم الإلكتروني لاستعادة وضع الطيران.
بعد تنفيذ المنعطف السلبي، انقلبت الطائرة للأمام بسرعة ودخلت في Nose‑dive حاد دون قدرة الطائرة على استعادة الارتفاع والسرعة المطلوبة لتحقيق الاستقرار.
التحليل الهندسي والاحتمالات التقنية لسقوط تيجاس
تشير مراجعات الخبراء والمقاطع المتداولة إلى مجموعة من الأسباب المحتملة:
1 — خلل في نظام التحكم Fly‑by‑Wire: بما أن تيجاس تعتمد على مبدأ عدم الاستقرار المتعمد، فإن أي تأخير في معالجة بيانات الحساسات قد يؤدي إلى فقدان السيطرة خلال أجزاء من الثانية، خاصة أثناء المناورات السلبية.
2 — فقدان مفاجئ للدفع: محرك GE F404 قد يفقد قوة الدفع في حال حدوث عطل في تدفق الوقود أو مضخة الزيت، كما حدث في 2024، ما يجعل استعادة الارتفاع شبه مستحيلة.
3 — إجهاد عكسي على الهيكل: المناورات السلبية تضغط بشدة على الأجنحة والبدن. وإذا تزامن ذلك مع زاوية هجوم عالية أو سرعة منخفضة، قد يحدث انهيار مفاجئ في الاتزان الهوائي او احداث ضرر داخلي في التوربينات مما قد يقتل تدفق الهواء للمحرك او تضرر انظمة الطائرة المساعدة.
4 — خطأ بشري محتمل: التحكم في المناورات السلبية شديد الحساسية، وأي خطأ في زاوية السحب أو توقيت الدفع قد يؤدي إلى فقدان الارتفاع.
5 — خلل برمجي في نظام الاتزان: قد يكون هناك تأخير أو خطأ في استجابة البرمجيات الجديدة المستخدمة في النسخة المشاركة بالعرض.
6 — نسبة الدفع إلى الوزن وتأثيرها على قدرة الخروج من المناورة: تبلغ نسبة الدفع إلى الوزن في Tejas Mk.1A نحو 0.97، وهي أقل من نسب منافسين مثل F‑16 (1.05–1.1)، Su‑35 (1.15+)، F‑22 (1.25+)، وSu‑57 التي تعتمد على توجيه الدفع Thrust Vectoring.
هذا يعني أن تيجاس تُعاني في المناورات السلبية الحادة، إذ لا تمتلك قدرة تسارع فوري تسمح باستعادة الارتفاع بعد فقدان الرفع. أما المقاتلات الأخرى، خاصة F‑22 وSu‑35 وSu‑57، فتستطيع استخدام توجيه الدفع والقدرة الهائلة لمحركاتها لتغيير اتجاه الطائرة مباشرة دون الاعتماد على الرفع الهوائي، ما يجعل تنفيذ المناورة نفسها أكثر أماناً.
اللقطات تظهر بوضوح أن تيجاس دخلت المناورة بسرعة أقل من المطلوبة، ومع انخفاض الرفع لم يكن لديها thrust كافٍ للخروج، فدخلت في Nose‑dive خلال أقل من ثانية مما ادى لوقوع الحادث الأليم.
تداعيات دولية وسؤال كبير حول مستقبل البرنامج
إذا أثبت التحقيق وجود خلل جوهري في الأنظمة أو التصميم، فقد تتأثر خطط التصدير وتضطر الهند لتسريع عملية تطوير Tejas Mk.2. أما إذا تبين أن الحادث نتيجة ظرف فردي أو خطأ بشري، فقد تستفيد الهند من الحادث لتحسين الثقة عبر تحديث الأنظمة والمعدات.
الهند غير مستعدة للتخلي عن تيجاس؛ فهي حجر أساس في إستراتيجية “صنع في الهند” وتقليل الاعتماد على الموردين الأجانب.
ويبدو حادث تيجاس في معرض دبي أشبه بامتحان كبير لبرنامج مضى عليه أكثر من أربعة عقود. الأسابيع المقبلة ستكشف ما إذا كان السقوط مجرد حادث مؤسف… أم إشارة إلى مشكلات عميقة في أحد أكبر مشاريع الهند الدفاعية.


