في خطوة جديدة تعكس القلق المتزايد عالمياً بشأن تأثير المنصات الرقمية على الأطفال والمراهقين، أعلنت ماليزيا أنها ستمنع من هم دون سن السادسة عشرة من فتح حسابات على وسائل التواصل الاجتماعي ابتداءً من مطلع عام 2026، ضمن إطار قانون جديد للسلامة الإلكترونية.
قانون جديد لحماية القُصَّر على الإنترنت
وزير الاتصالات الماليزي فهمي فاضل أوضح أن الحظر سيدخل حيز التنفيذ مع تطبيق «قانون السلامة على الإنترنت» في الأول من يناير 2026، وأن الحكومة تتوقع من منصات التواصل الالتزام بالقرار ومنع القُصَّر من إنشاء حسابات جديدة.
اللافت في القرار أنه لا يكتفي بمجرد الإعلان عن السن المسموح به، بل يربط ذلك بمنظومة تحقق صارمة من الهوية، في محاولة للانتقال من مرحلة «الضبط الشكلي» إلى تطبيق فعلي يمكن تتبعه وقياسه.
آلية التحقق من الهوية
بموجب التشريعات الجديدة، ستُلزم منصات التواصل باستخدام آليات التحقق الإلكتروني من الهوية (eKYC)، اعتماداً على وثائق رسمية مثل بطاقة الهوية الوطنية الماليزية MyKad، أو جواز السفر، أو الهوية الرقمية MyDigital ID.
هذه الخطوة تعني أن فتح حساب لن يعود مجرد إدخال بريد إلكتروني أو رقم هاتف، بل سيُربط بهوية موثقة، بما يقلل من قدرة القُصَّر على التحايل على القيود العمرية، ويضع على المنصات جزءاً واضحاً من المسؤولية القانونية.
ماليزيا تنظر إلى التجربة الأسترالية
يأتي القرار الماليزي في سياق دولي أوسع، إذ تستعد أستراليا لتطبيق حظر مشابه في ديسمبر، يلزم منصات مثل فيسبوك، وإنستغرام، وتيك توك، وسناب شات وX بإغلاق الحسابات المسجّلة لمستخدمين دون 16 عاماً أو مواجهة غرامات قد تصل إلى عشرات الملايين من الدولارات.
بعض الشركات، مثل ميتا، بدأت بالفعل في إخطار المستخدمين الأستراليين دون 16 عاماً بأن حساباتهم ستُزال في مواعيد محددة، في إشارة إلى أن التطبيق لن يكون رمزياً بل عملياً وملموساً.
وزير الاتصالات الماليزي أشار إلى أن بلاده تراجع آليات التنفيذ المعتمدة في أستراليا ودول أخرى، بهدف بناء منظومة قادرة على حماية الشباب من أضرار مثل التنمر الإلكتروني، والاحتيال المالي، والاستغلال الجنسي للأطفال عبر الشبكة.
موجة تنظيم عالمية حول صحة المراهقين النفسية
ويعتبر قرار ماليزيا جزء من موجة من الضغوط المتصاعدة على شركات التكنولوجيا الكبرى بسبب تأثير منتجاتها في الصحة النفسية للمراهقين.
في الولايات المتحدة، تواجه منصات مثل تيك توك وسناب شات وغوغل وميتا دعاوى قضائية في عدة ولايات، تتهمها بالمساهمة في تفاقم أزمة الصحة النفسية لدى الشباب من خلال تصميم منصات تشجع الاستخدام المفرط والإدمان الرقمي، مع محتوى لا يكون مناسباً دائماً لهذه الفئة العمرية.
في أوروبا، تتعاون دول مثل فرنسا وإسبانيا وإيطاليا والدنمارك واليونان لاختبار نموذج موحد لتطبيق للتحقق من العمر، في محاولة لوضع معايير أكثر صرامة للدخول إلى المنصات الرقمية. وفي المقابل، اختارت إندونيسيا نهجاً أكثر تدرجاً، فبعد الإعلان عن نية لتحديد حد أدنى للعمر، اتجهت إلى تنظيمات تركّز على تصفية المحتوى الضار بدلاً من منع الوصول بالكامل.
من المحتوى الضار إلى تنظيم المنصات
على المستوى المحلي، كثّفت ماليزيا في السنوات الأخيرة من تدقيقها على منصات التواصل الاجتماعي، مستشهدة بارتفاع المحتوى الضار، بما في ذلك مواقع القمار غير القانوني، والمحتوى المرتبط بالحساسيات العرقية والدينية والرمزية الوطنية.
كما فُرض على المنصات الكبرى التي تتجاوز قاعدة مستخدميها ثمانية ملايين مستخدم داخل ماليزيا الحصول على تراخيص خاصة بموجب لوائح دخلت حيز التنفيذ في يناير الماضي، في إشارة واضحة إلى انتقال ماليزيا من دور «المراقِب» إلى دور «المنظِّم الفعلي» لسلوك المنصات الرقمية داخل حدودها.
ماذا يعني ذلك للمستخدمين وللنقاش العالمي حول التقنية؟
على الرغم من أن القرار الماليزي موجّه داخلياً، فإنه يضيف طبقة جديدة للنقاش العالمي حول توازن دقيق تسعى إليه الدول لحماية الأطفال والمراهقين من المخاطر الرقمية، من دون أن يتحول ذلك إلى تقييد مفرط لحرية التعبير والوصول إلى المعرفة.
كما يطرح القرار أسئلة تمتد إلى منطقتنا العربية أيضاً:
هل تتجه دول أخرى إلى وضع حدود عمرية صارمة لاستخدام شبكات التواصل؟
وهل ستكون الأولوية لحظر الوصول، أم لبناء ثقافة رقمية مسؤولة لدى الأهل والمراهقين، مع أدوات رقابة أبوية وتعليم رقمي مبكر؟
في كل الأحوال، ما تفعله ماليزيا وأستراليا ودول أخرى يشير بوضوح إلى أن عصر «المنصات بلا قواعد» يقترب من نهايته، وأن شركات التكنولوجيا لن تظل بعيدة عن طاولة التشريعات، خاصة حين يتعلق الأمر بالأطفال والمراهقين.


