في خريف 2025 وجدت صناعة السيارات العالمية نفسها أمام أزمة جديدة وغير متوقعة، أزمة لم تنشأ بسبب رقائق متقدمة أو شرائح عالية التقنية كما حدث خلال جائحة كورونا أو بعد حريق مصنع رينيساس في اليابان عام 2021، بل بسبب مكونات رخيصة للغاية لا تتجاوز قيمتها كسوراً من السنت. هذه الشرائح “البسيطة” التي تنتجها شركة Nexperia الهولندية والمعبّأة في مصنعها الصيني في دونغوان أصبحت فجأة سلاحاً جيوسياسياً فعّالاً، مما أدى إلى شلل في خطوط الإنتاج لدى شركات بحجم نيسان، هوندا وبوش، وأعاد إلى الواجهة هشاشة سلاسل التوريد العالمية.
القصة هذه المرة مختلفة، أشد تعقيداً، وأعمق تأثيراً. فالأزمة لم تكشف فقط حدود إدارة المخزون أو الاعتماد على الموردين، بل فضحت أيضاً قدرة الصين على التأثير في قطاعات صناعية غربية كاملة من خلال التحكم في أبسط عناصر سلسلة القيمة.
كيف بدأت الأزمة؟ السيطرة على Nexperia… ثم رد الصين
في سبتمبر 2025، أعلنت الحكومة الهولندية وضع شركة Nexperia تحت السيطرة الحكومية، مبررة ذلك بمخاوف أمنية من نقل تقنيات الشركة إلى مالكها الصيني Wingtech. ردّ بكين جاء سريعاً وحاسماً: وقف تصدير الرقائق النهائية المعبّأة في مصنع دونغوان.
هذا المصنع الواقع بجانب قطعة أرض مهجورة في جنوب الصين، والمعروف بأنه مركز أساسي لتغليف رقائق السيارات منخفضة السعر، تحول فجأة إلى عنق زجاجة عالمي. فقد كانت الشرائح المنتجة فيه تُستخدم في كل شيء: من نظام الفرامل إلى نوافذ السيارات الكهربائية.
ورغم أن الحكومة الهولندية عادت وتراجعت عن قرار السيطرة في نوفمبر، فإن الضرر كان قد وقع، والعالم أدرك حقيقة جديدة: حتى أبسط الشرائح يمكن أن تصبح أداة سياسية.
لماذا انهارت سلاسل التوريد بهذه السرعة؟
1. الاعتماد الكامل على الرقائق الرخيصة
أحد التنفيذيين في شركة أوروبية كبرى أكد أن شركته “لا تملك حتى خططاً لمورد بديل” لهذه الشرائح لأنها رخيصة جداً ومتوفرة دائماً”. هذه النظرة استمرت لسنوات: لماذا تستثمر الشركات في بدائل لرقائق قيمتها أقل من سنت واحد؟
لكن اتضح أن هذه الرقائق الصغيرة يمكن أن توقف إنتاج مئات آلاف السيارات.
2. عدم تعلم الدرس بعد أزمة 2020–2021
بعد جائحة كورونا تعهّد المصنعون بتقوية سلاسل توريد أشباه الموصلات. وُعد المستثمرون بزيادة المخزون والبحث عن بدائل. ومع ذلك، عند أزمة Nexperia، كانت شركات كبرى مثل نيسان وهوندا غير مستعدة بالكامل. حتى العملاق الألماني بوش، الذي يشتري رقائق من الشركة بقيمة 200 مليون يورو سنوياً، لم يكن جاهزاً.
3. الاعتماد الجغرافي المتركّز في الصين
رغم كل الجهود الغربية لتقليل الاعتماد على الصين، ظلّت بكين ممسكة بزمام فئات واسعة من الشرائح منخفضة التكلفة. ورغم أنها ليست رقائق متقدمة، إلا أنها أساسية ولا يمكن استبدالها بسهولة لأنها مدمجة داخل مكوّنات تُصنّع خصيصاً حولها.
كيف تأثرت شركات السيارات؟
نيسان
اضطرت إلى خفض إنتاج سيارات Rogue – أحد أنجح طرازاتها – بسبب نقص الشرائح.
هوندا
واجهت تباطؤاً في إنتاج بعض الطرازات، واضطرت إلى إعادة توزيع المخزون بين المصانع. الى جانب وقف الإنتاج في مصنعها بالمكسيك.
بوش
200 مليون يورو من المشتريات السنوية من Nexperia تعني أن أي توقف في الإمدادات يشل مصانعها. بعد الأزمة، اضطرت بعض مصانعها لتقليل ساعات العمل.
أزمة العملة: لماذا أرادت الصين الدفع باليوان؟
بعد توقف الصادرات، سمحت الصين لبعض الشرائح بالخروج مجدداً، ولكن بشروط صارمة: الدفع يجب أن يكون باليوان وليس بالدولار أو اليورو.
هذه الخطوة فسّرها محللون بأنها محاولة من المصنع الصيني للفصل بين عمليات Nexperia داخل الصين وخارجها، مما يتيح لبكين تأثيراً أكبر على تدفقات التجارة.
لكن المشكلة أن المصنع لم يكن قادراً على معالجة هذا الحجم من المعاملات باليوان، مما أدى إلى تراكم الشرائح الجاهزة للشحن داخل المستودعات.
شركات التفّت على الأزمة… بطرق صينية
مصنع Melecs النمساوي، وكذلك Jabil الموردة لشركة Apple، استطاعا الحصول على الشرائح عبر كيانات صينية وسيطا، مما سمح لهما بالدفع باليوان وتجاوز الرقابة الأوروبية. هذه الطرق “الرمادية” عكست desperation الشركات للنجاة من الأزمة.
لماذا لا يمكن استبدال رقائق Nexperia بسهولة؟
1. دمجها داخل وحدات كهربائية حساسة
رقائق Nexperia تُلحَم مباشرة ضمن وحدات كهربائية مثل وحدات إدارة الطاقة. استبدالها يستلزم إعادة تصميم القطعة بالكامل.
2. متطلبات اختبار طويلة
أي تغيير—حتى لو كانت الشريحة متطابقة نظرياً—يتطلب:
- اختبارات حرارة.
- اختبارات صدمة.
- اختبارات توافق كهربائي.
هذه الفحوص تستغرق من 6 أشهر إلى 12 شهراً.
3. مخاطر الأداء
شركات السيارات لا تقبل أي انحراف أو تباطؤ الأداء لأن ذلك قد يؤثر على السلامة.
ماذا تكشف الأزمة عن قوة الصين؟
يقول البروفيسور لي شينغ من معهد جنوب الصين لاستراتيجيات العلاقات الدولية:
“حتى في القطاعات المتوسطة والمنخفضة، يعتمد الغرب على الصين. إذا أرادت الصين الضغط، فستنجح. لا توجد طريقة سهلة للهروب من هذا الاعتماد.”
الصين تسيطر على:
أكثر من 40% من مصانع تغليف واختبار الشرائح في العالم. وأكثر من 50% من سلسلة القيمة الخاصة بالرقائق منخفضة التكلفة. الى جانب حصة ضخمة من المواد الكيميائية والمعادن المستخدمة في تصنيع أشباه الموصلات.
كيف انتهت الأزمة؟ لقاء ترامب و شي في بوسان
لاحقاً، وبعد اجتماع بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الصيني شي جين بينغ في بوسان بكوريا الجنوبية، سمحت الصين بإعادة استئناف جزء من صادرات Nexperia.
القرار جاء حرفياً في اللحظة الأخيرة:
مصانع مثل Bosch و ZF و Aumovio كانت على وشك الإغلاق خلال أيام.
الدروس المستخلصة… ولماذا ستكون الأزمة التالية أسوأ
رغم الوعود، يؤكد محللو الصناعة أن الشركات ما زالت غير مستعدة. الانتقال إلى موردين جدد مكلف للغاية ويستغرق سنوات. الصناعات الغربية تحتاج إلى مليارات الدولارات لإعادة توطين جزء من سلاسل التوريد.
المثال الوحيد تقريباً الذي نجا دون أضرار كبيرة هو تويوتا، التي تطبق منذ زلزال اليابان 2011 سياسة تخزين رقائق تكفي لعدة أشهر.
أما البقية، فكما قالت المحللة جولي بوت:
“قالوا إنهم تعلموا من الأزمة السابقة. لكن الواقع أثبت أنهم لم يتعلموا شيئاً تقريباً.”
شرائح لا ترى… تهز صناعة بمئات المليارات
أزمة Nexperia تكشف أن معركة السيطرة على التكنولوجيا لا تتعلق فقط بالشرائح المتقدمة أو الذكاء الاصطناعي. أحياناً، مجرد شريحة قيمتها أقل من سنت واحد يمكن أن توقف مصانع، وتخفض الإنتاج، وتربك حكومات، وتغير تحالفات.
وفي عالم يعتمد على العولمة التقنية… يبدو أن أصغر أجزاء السلسلة هي في الحقيقة أكثرها خطورة.
المصدر: رويترز


