الخلفية:

إنفيديا ترد على اتهامات الاحتيال وفقاعة الذكاء الاصطناعي

في خطوة غير معتادة، أرسلت شركة إنفيديا مذكرة داخلية من سبع صفحات إلى محللي وول ستريت للدفاع عن ممارساتها المحاسبية ونفي اتهامات بالاحتيال، في وقت يشتد فيه الجدل حول ما إذا كانت استثمارات الذكاء الاصطناعي تعيش فقاعة شبيهة بفقاعة الإنترنت مطلع الألفية.

المذكرة، التي تسرّبت تفاصيلها إلى وسائل إعلام مالية أميركية، كُتبت باللون الأخضر المميز لهوية إنفيديا، وجاءت رداً مباشراً على انتقادات المستثمر الشهير مايكل بوري، المعروف بتوقعه أزمة الرهن العقاري عام 2008، وعلى منشور في منصة “سابستاك” زعم أن إنفيديا قد تكون وراء “أكبر عملية احتيال محاسبي في تاريخ التكنولوجيا”.

رد حاد على اتهامات مايكل بوري

الجزء الأبرز في المذكرة خصّصته إنفيديا للرد على بوري، الذي يتهم الشركة بالمبالغة في استخدام التعويضات المعتمدة على الأسهم، وبأن هذه السياسة خفّضت ما يسميه “أرباح المالك” إلى النصف منذ عام 2018.

بوري كان قد قدّر أن إنفيديا أنفقت نحو 112.5 مليار دولار على إعادة شراء أسهمها خلال هذه الفترة من دون أن تضيف قيمة حقيقية للمساهمين بسبب التوسّع في منح الأسهم للموظفين، وهو ما اعتبره شكلاً من “الثقوب المحاسبية” في نتائج الشركة.

إنفيديا ردّت بأن الرقم الصحيح لبرنامج إعادة الشراء منذ 2018 هو 91 مليار دولار وليس 112.5 ملياراً، وأن بوري خلط بين تكلفة إعادة شراء الأسهم وبين الضرائب المدفوعة على وحدات الأسهم المقيّدة التي يحصل عليها الموظفون. الشركة شددت على أن منح أسهم للعاملين هو جزء من سياسة تحفيز طويلة الأمد، ولا ينبغي التعامل معه كفشل في برنامج إعادة الشراء أو كمؤشر على تآكل قيمة المساهمين.

وبينما يرى بعض المستثمرين أن هذه الممارسات قد تُضعف ربحية السهم على المدى الطويل، تؤكد إنفيديا أن العائدات القياسية التي تحققها من رقائق الذكاء الاصطناعي، وتدفقاتها النقدية القوية، تعكس نموذجاً تجارياً متيناً وليس أرباحاً “مصطنعة” كما يلمّح منتقدوها.

المذكرة تناولت أيضاً الاتهامات الأوسع التي تشبّه إنفيديا بفضائح محاسبية تاريخية لشركات كبرى لكن الشركة رفضت هذه المقارنات بشكل قاطع، مؤكدة أن أعمالها الأساسية قوية اقتصادياً، وأن تقاريرها المالية كاملة وشفافة، وأنها لا تستخدم كيانات خاصة خارج الميزانية لإخفاء الديون أو تضخيم الإيرادات.

كما ردت إنفيديا على الانتقادات المتعلقة باستثماراتها في ما يسمى بشركات “السحابة الجديدة” المتخصصة في تأجير قدرات الحوسبة المعتمدة على وحدات معالجة الرسوميات الخاصة بها. بعض المنتقدين يرى أن استثمار إنفيديا في هذه الشركات، ثم بيعها كميات ضخمة من الشرائح نفسها، قد يخلق حلقة تمويلية “دائرية” تُضخّم الطلب بشكل مصطنع.

الشركة أوضحت في مذكرتها أن استثماراتها الاستراتيجية تمثل جزءاً محدوداً من إيراداتها، وأن الشركات التي تستثمر فيها تحصل على معظم دخلها من عملاء خارجيين، لا من إنفيديا، ما ينفي شبهة تضخيم المبيعات بصورة وهمية، حسب ما أفادت الشركة.

رغم نبرة المذكرة القوية، لم يتراجع مايكل بوري عن موقفه. ففي منشور حديث على منصته الجديدة في “سابستاك”، أكد أنه لا يتهم إنفيديا مباشرة بالاحتيال، لكنه يشبّه وضعها الحالي بشركة سيسكو أثناء فقاعة الإنترنت: شركة تقود ثورة تكنولوجية حقيقية، لكنها تصل إلى تقييمات مبالغ فيها تجعلها عرضة لهبوط حاد إن تغيّرت ظروف السوق.

بوري كشف أيضاً عن امتلاكه عقود بيع (Put Options) ضد أسهم إنفيديا وشركة بالانتير، في رهان واضح على أن موجة التفاؤل الحالية بالذكاء الاصطناعي قد تنتهي بتصحيح قاسٍ في الأسعار.

الخلاف بين إنفيديا وبوري لا يدور حول الأرقام فقط، بل حول روايتين متناقضتين لمستقبل الذكاء الاصطناعي.

من جهة، تعرض إنفيديا أرقاماً قياسية في الإيرادات والأرباح مدفوعة بالطلب الهائل على شرائح الذكاء الاصطناعي التي تشغّل نماذج مثل شات بوتات متقدمة ومنصات سحابية ضخمة، وتقول إن دورة حياة وحدات المعالجة الرسومية الخاصة بها طويلة بما يكفي لتبرير الاستثمارات الجارية في مراكز البيانات.

ومن جهة أخرى، يحذر بوري وغيره من المستثمرين المتشائمين من أن وتيرة التطور السريعة في الأجيال الجديدة من الشرائح قد تجعل الكثير من هذه الاستثمارات “قديمة” بسرعة، وأن تمديد أعمار الأصول المحاسبية على الورق قد يخفي مؤقتاً تكلفة الاستبدال والتحديث في المستقبل، ما يهدد بأعباء ضخمة على الأرباح لاحقاً.

الأسواق تراقب

جدير بالذكر أنه حتى الآن، لا توجد تحقيقات رسمية تتهم إنفيديا بالاحتيال المحاسبي، لكن حالة الشد والجذب بين الشركة وأبرز المنتقدين لها تعكس حساسية السوق لأي إشارة على مبالغة في تقييمات شركات الذكاء الاصطناعي.

أسهم إنفيديا شهدت تراجعاً ملحوظاً في الأسابيع الأخيرة مقارنة بذروتها في أواخر أكتوبر، مع زيادة تساؤلات المستثمرين حول استدامة موجة الإنفاق على مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، وحول مدى شفافية العلاقات المالية بين الشركات التي تبني البنية التحتية للذكاء الاصطناعي وتلك التي تستثمر فيها.

في هذا السياق، تأتي مذكرة إنفيديا كرسالة مزدوجة: تأكيد لثقة الشركة في متانة أعمالها وممارساتها المحاسبية، ومحاولة لطمأنة وول ستريت بأن ما يحدث ليس نسخة جديدة من فضائح أوائل الألفية، بل جزء من نقاش طبيعي حول حدود النمو في واحدة من أسرع ثورات التكنولوجيا في التاريخ.

المصدر

اقرأ أيضاً