الخلفية:

فطر تشيرنوبل يفتح آفاقاً جديدة لحماية رواد الفضاء من أشعة المريخ

يعود فطر أسود دقيق يعيش منذ عقود في قلب مفاعل تشيرنوبل المدمر إلى دائرة الضوء مجدداً، بعد أن أظهرت دراسات حديثة أن بنيته الغنية بصبغة الميلانين قد تجعل منه مادة حيوية واعدة لتقليل جرعات الإشعاع التي يتعرض لها رواد الفضاء في الرحلات الطويلة إلى القمر والمريخ.

الفطر المعروف علمياً باسم كلادوسبوريوم سفيروسبرموم اكتُشف في تسعينيات القرن الماضي داخل الهياكل الحامية للمفاعل الرابع في محطة تشيرنوبل الأوكرانية، حيث رصدت عالمة الأحياء الدقيقة نيلي جهدانوفا وفريقها وجود عشرات الأنواع الفطرية، كان أكثرها انتشاراً الفطريات الداكنة عالية المحتوى من الميلانين، والقادرة على النمو في مستويات من الإشعاع قاتلة للإنسان.

لاحقاً، بيّنت دراسة نشرتها إيكاترينا داداتشوفا وأرتورو كاساديفال في دورية بلوس ون عام 2007 أن تعريض الميلانين للإشعاع المؤين يغيّر من خصائصه الإلكترونية ويرفع قدرته على نقل الإلكترونات عدة مرات، كما أظهرت التجارب أن الخلايا الفطرية المملوءة بالميلانين تنمو بسرعة أكبر تحت الإشعاع مقارنة بالفطريات غير الملونة، ما عزز فرضية أن الميلانين لا يكتفي بالحماية بل قد يشارك في استغلال طاقة الأشعة في عملية وُصفت اصطلاحاً “بالراديوتخليق” Radiosynthesis .

في عام 2018 أرسلت وكالة ناسا عينات من هذا الفطر إلى محطة الفضاء الدولية لاختبار قدرته على الحد من الإشعاع الكوني. وعلى مدى ثلاثين يوماً، سجّلت الحساسات انخفاضاً في مستوى الإشعاع بنسبة تقارب 2.17 في المئة أسفل طبقة فطرية بسماكة 1.7 مليمتر فقط، كما نما الفطر في الفضاء أسرع بنحو 21 في المئة من نموه على الأرض. وقدّر الباحثون في دراسة أولية نُشرت على منصة بايوأركايف أن طبقة بسماكة نحو 21 سنتيمتراً يمكن أن توفر تخفيضاً ملحوظاً لجرعة الإشعاع السنوية على سطح المريخ، خاصة إذا جرى دمجها مع مواد وقاية تقليدية مثل التربة أو البوليمرات.

مع ذلك، يشير باحثون من بينهم المهندس نيلس أفريش من جامعة ستانفورد سابقاً إلى أن مفهوم الراديوتخليق Radiosynthesis لم يُثبت بعد بشكل قاطع؛ فما زال من غير المؤكد ما إذا كان الفطر يثبّت الكربون ويفرز طاقة كيميائية اعتماداً على الإشعاع، أم أن الميلانين يعمل أساساً كدرع وقائي متطرف يسمح للفطر بالبقاء والنمو في بيئات مشعة. وتؤكد مراجعات علمية حديثة أن إثبات مسار طاقي متكامل يعتمد على الإشعاع ما زال تحدياً بحثياً مفتوحاً.

ورغم هذه الشكوك، يرى خبراء الفضاء أن الفطر يمثل نموذجاً جذاباً لفكرة “الدرع الحيوي ذاتي التجدّد”، إذ يمكن نظرياً حمل كمية صغيرة من الأبواغ إلى الفضاء ثم إكثارها في الهياكل السكنية أو داخل الجدران المركّبة، ليُسهم الميلانين في امتصاص جزء من الأشعة الكونية مع مرور الوقت. لكن تطبيق ذلك عملياً يتطلب حلولاً هندسية لضبط نمو الفطر ومنعه من تلويث الأنظمة المغلقة، إضافة إلى تقييم دقيق لجدوى وزنه وسماكته مقارنة بمواد الحماية الأخرى.

وتعتمد المعلومات الواردة في هذا التقرير على أبحاث ميدانية أُجريت في منطقة تشيرنوبل المحظورة بقيادة نيلي جهدانوفا ونُشرت في دورية Mycological Research، وعلى دراسة إيكاترينا داداتشوفا وأرتورو كاساديفال حول ميلانين الفطريات في بلوس ون، وعلى تجربة محطة الفضاء الدولية المنشورة أولاً على منصة bioRxiv وتقارير علمية تحليلية من مواقع متخصصة مثل Universe Today وScienceAlert.

يشار إلى أن “آلية الراديوتخليق” Radiosynthesis  كما تُفهم اليوم هي أن الميلانين يعمل كجهاز تحويل للطاقة؛ يمتص الإشعاع المؤيَّن ويحوّل جزءاً منه إلى حركة إلكترونات تُغذي مسارات الطاقة في الفطر، لكن إثبات أنه مسار “تخليق طاقي” كامل شبيه بالبناء الضوئي ما زال موضوع بحث، ولم يُحسم علمياً بعد.

اقرأ أيضاً