يشهد المشهد السياسي في واشنطن تصعيداً متزايداً في المواجهة التكنولوجية مع بكين، بعد أن طرح مجموعة من أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي مشروع قانون جديد يستهدف منع إدارة الرئيس دونالد ترامب من تخفيف القيود المفروضة على تصدير رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة إلى الصين. وتأتي هذه الخطوة في وقت تتصاعد فيه المخاوف داخل المؤسسات الأمنية والاستخباراتية الأميركية من إمكانية استغلال بكين لهذه التقنيات لتعزيز قدراتها العسكرية، وتطوير أنظمة قتالية هجومية تعتمد بصورة متزايدة على الذكاء الاصطناعي.
مشروع SAFE CHIPS… تحرك لجم اندفاع الصين نحو التقنيات المتقدمة
يقود السيناتور الجمهوري بيت ريكتس إلى جانب السيناتور الديمقراطي كريس كونز هذا التحرك التشريعي، الذي حمل اسم SAFE CHIPS Act، ويهدف إلى فرض قيود صارمة تمتد لفترة تصل إلى عامين ونصف على إصدار أي تراخيص لتصدير رقائق متطورة تفوق القدرات الحالية المسموح بها لشركات مثل Nvidia و AMD. ويشمل الحظر المقترح كلاً من الصين وروسيا وإيران وكوريا الشمالية، لضمان عدم وصول هذه الدول إلى تقنيات حساسة يمكن أن تعزز قوتها العسكرية.
كما يشترط المشروع على وزارة التجارة الأميركية رفض أي طلبات تراخيص تتجاوز مستوى الرقائق المتاحة حالياً للتصدير، مع إلزامها بإخطار الكونغرس مسبقاً بأي تغييرات في السياسات التنظيمية قبل شهر على الأقل من دخولها حيّز التنفيذ. ويهدف ذلك إلى ضمان الشفافية ومنع اتخاذ قرارات متسرعة قد يُنظر إليها باعتبارها تنازلات تقنية قد تستفيد منها بكين.
مواجهة داخلية نادرة مع إدارة ترامب
يأتي المشروع في وقت تتعرض فيه إدارة ترامب لانتقادات من داخل الحزب الجمهوري نفسه، بعد تقارير تحدثت عن احتمال السماح ببيع رقائق Nvidia H200 للصين، وهو ما أثار قلقاً واسعاً بين صقور الحزب الذين يرون أن مثل هذه الخطوة قد تمنح بكين فرصة ذهبية لتسريع مشاريعها العسكرية القائمة على الذكاء الاصطناعي.
وقال السيناتور ريكتس إن “منع بكين من الوصول إلى أفضل الرقائق الأميركية ليس خياراً، بل ضرورة لحماية الأمن القومي”، مشدداً على أن منح الصين هذه التقنيات قد يغير ميزان القوى العسكرية عالمياً بشكل غير قابل للتراجع.
سياق جيوسياسي مضطرب وتصعيد اقتصادي متبادل
يتزامن النقاش حول مشروع القانون مع قيام بكين بإحكام قبضتها على صادرات معادن الأرض النادرة الضرورية لصناعات البطاريات والرقائق والأنظمة الدفاعية، في خطوة اعتبرتها واشنطن ضغطاً اقتصادياً مباشراً على الشركات الأميركية. ورداً على ذلك، فرضت وزارة التجارة الأميركية قيوداً على رقائق Nvidia H20، قبل أن تتراجع جزئياً تحت ضغط المفاوضات، مما أثار اعتراضات واسعة داخل الكونغرس، ولا سيما من النائب الجمهوري جون مولينار.
وتسعى شركات مثل AMD إلى الحفاظ على وجودها داخل السوق الصينية، لكن أصواتاً مؤثرة في دوائر الأمن القومي الأميركي تحذر من أن توسيع الصادرات قد يساهم في تسريع برنامج الصين الطموح لتحقيق الاكتفاء الذاتي في مجال تصنيع الرقائق، وهو ما تعتبره واشنطن تهديداً مباشراً لتفوقها العسكري والتكنولوجي.
تحذيرات الخبراء من تسهيل التقدم الصيني
رأى الباحث غريغ ألين من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) أن مشروع القانون يمثل خطوة واقعية، مؤكداً أن الولايات المتحدة لا تستطيع وقف التقدم التكنولوجي الصيني، لكنها تستطيع تجنّب تسهيله. وقال إن “الصين تعمل بالفعل على بناء منظومة متكاملة للاعتماد على الذات في التكنولوجيا، لكن الخطأ الأكبر سيكون في مساعدتها على تسريع هذه العملية عبر تزويدها بأحدث رقائق العالم”.
تصعيد جديد في سباق الهيمنة التكنولوجية بين واشنطن وبكين
يمثل مشروع SAFE CHIPS محطة حاسمة في الصراع التقني المتصاعد بين القوتين العالميتين، حيث تمتزج اعتبارات الأمن القومي بالمصالح الاقتصادية والصناعية. وفي حال اعتماده رسمياً، سيُعد أحد أكثر التشريعات تشدداً في تاريخ القيود الأميركية على الصين في مجال التكنولوجيا المتقدمة.
ويرى محللون أن إقرار هذا القانون قد يعيد تشكيل المشهد العالمي لصناعة الرقائق، ويدفع الصين إلى تسريع جهودها لتطوير رقائق محلية متقدمة يمكنها منافسة الشركات الأميركية، مما ينذر بمرحلة جديدة من سباق تكنولوجي محموم بين البلدين.
المصدر: رويترز


