تُواصل أوروبا فرض إرادتها التنظيمية في مواجهة عمالقة التكنولوجيا الأميركيين، متحدّيةً انتقادات إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ومُصرّةً على تطبيق قوانينها الرقمية بلا تردد. وفي أحدث خطوة ضمن هذه المواجهة المحتدمة، فرضت المفوضية الأوروبية غرامة بقيمة 120 مليون يورو على منصة X التابعة لإيلون ماسك، بسبب خرقها لقواعد المحتوى الرقمي في الاتحاد الأوروبي.
غرامة جديدة بعد ثلاثة أشهر فقط من عقوبة غوغل
تأتي هذه الغرامة بعد ثلاثة أشهر من العقوبة القياسية التي بلغت 2.95 مليار يورو ضد شركة غوغل، ما يعكس إصرار بروكسل على مواجهة ممارسات الاحتكار وسوء إدارة المحتوى لدى شركات التقنية الكبرى. وتمثل هذه الخطوات جزءاً من استراتيجية أوروبية أوسع لتطبيق قانون الأسواق الرقمية (DMA) وقانون الخدمات الرقمية (DSA)، وهما الإطاران التشريعيان الأكثر صرامة عالمياً في التعامل مع النفوذ المتزايد للشركات العملاقة مثل غوغل، آبل، أمازون، ميتا، ومايكروسوفت.
غضب إدارة ترامب ومحاولات الضغط على بروكسل
أثارت هذه الإجراءات غضب الإدارة الأميركية، التي هددت بالربط بين خفض الرسوم الجمركية على صادرات الصلب الأوروبية وبين تخفيف القوانين الرقمية. كما أصدرت واشنطن تعليمات لدبلوماسييها للبدء بحملة ضغط واسعة تهدف إلى ثني بروكسل عن تشديد الرقابة على الشركات الأميركية.
إلا أن المفوضة الأوروبية لشؤون المنافسة، تيريزا ريبيرا، ردّت بقوة، مؤكدة أن أوروبا “تستحق الاحترام” وأنها لن تسمح بتحويل قوانين المنافسة إلى أوراق تفاوض في صفقات تجارية. وقالت:
“أنا مسؤولة عن حماية الأسواق الرقمية الأوروبية، ولن أقبل أن تُستخدم هذه القوانين كأدوات سياسية”.
أوروبا: المنافسة العادلة ليست أداة مساومة
كررت ريبيرا في تصريحات أخرى أن قوانين المنافسة “ركيزة أساسية لاقتصاد مفتوح وعادل”، مؤكدة أنها لا ينبغي أن تتحول إلى أدوات لحماية المصالح الضيقة أو للضغط السياسي. وترى المفوضية أن تطبيق القواعد بصرامة هو السبيل الوحيد لضمان بيئة رقمية آمنة وتنافسية في أوروبا.
النفوذ الأميركي يتراجع أمام تصميم بروكسل
يرى خبراء قانونيون أن تهديدات واشنطن تفقد تأثيرها تدريجياً. وقال الباحث القانوني دانييل ماندريستشو إن فتح بروكسل تحقيقاً جديداً ضد ميتا هذا الأسبوع دليل على أن “سيادة القانون في أوروبا لم تعد قابلة للمساومة”.
من جانبه، اعتبر الخبير روبريشت بودسن أن الزخم الجديد في فرض القوانين يجعل من الصعب على الاتحاد الأوروبي التراجع لاحقاً، مشيراً إلى أن ملف إعلانات غوغل والتحقيق الأوروبي بشأن سياسات الذكاء الاصطناعي في واتساب سيكونان اختباراً حقيقياً لقوة الرقابة الأوروبية.
مرحلة تصعيد تنظيمي لا تبدو أنها ستتراجع قريباً
طرحت غوغل الشهر الماضي تعديلات تهدف إلى تمكين المعلنين والناشرين من استخدام أدوات إعلانية بديلة، وهي خطوة يراها الاتحاد الأوروبي غير كافية حتى الآن. ويُنتظر صدور قرار نهائي حول مستقبل أعمال غوغل الإعلانية بحلول مطلع العام المقبل.
وفي موازاة ذلك، بدأ الاتحاد الأوروبي تحقيقاً رسمياً مع ميتا قد يؤدي إلى وقف إطلاق ميزات جديدة تعتمد على الذكاء الاصطناعي داخل واتساب إذا ثبت أنها تمنع المنافسين من الوصول إلى المستخدمين.
وبينما تتزايد حدّة التوتر بين أوروبا وواشنطن، يبدو أن بروكسل ماضية في مسار فرض سيادتها الرقمية، مؤكدة أن أمن مواطنيها الاقتصادي والمعرفي لن يخضع لأي مساومة دولية.
المصدر: رويترز


