في أقل من عقد واحد، يبدو أن فئة بروتينات جديدة تستعد للانتقال من رفّ «المنتجات المتخصصة» إلى قلب سلة التسوّق اليومية: المايكوبروتين، أو البروتين المستخرج من الفطريات.
بحسب تقرير حديث لشركة الأبحاث Global Insight Services، يُقدَّر حجم سوق بدائل اللحوم المصنوعة من المايكوبروتين بنحو 1.71 مليار دولار في عام 2024، مع توقعات بالوصول إلى 50.78 مليار دولار في 2034، أي بمعدل نمو سنوي مركب يقارب 40.4٪؛ وهي نسبة نمو استثنائية في عالم الأغذية.
هذا ليس مجرد «ترند نباتي» عابر، بل تحوّل أعمق يرتبط بالبيئة والصحة والتقنية في آن واحد.
ما هو المايكوبروتين؟
المايكوبروتين بروتين يُنتَج عبر تخمير أنواع معيّنة من الفطريات في مفاعلات حيوية (Bioreactors)، لينتج نسيجًا ليفيًا طبيعيًا يشبه إلى حد كبير ألياف اللحوم.
ما يميّزه:
-
ملمس قريب من اللحم من حيث الألياف والمضغ.
-
محتوى عالٍ من البروتين والألياف الغذائية.
-
دهون مشبعة منخفضة، مع قدرة على المساعدة في إدارة مستويات الكوليسترول وفق دراسات غذائية.
-
بصمة بيئية منخفضة مقارنة بتربية المواشي؛ استهلاك أقل للمياه والأراضي، وانبعاثات كربون أقل بكثير.
لذلك نرى اليوم منتجات مايكوبروتين في صورة برغر، نقانق، ناجتس، ولحوم مفرومة بديلة، تُسوَّق كخيار صحي وصديق للبيئة لمن يرغب في تقليل استهلاكه للحوم الحيوانية من دون التضحية بالشكل والطعم بشكل كبير.
محركات النمو: من المناخ إلى الصحة
1. المناخ وكلفة اللحوم التقليدية
تربية المواشي مسؤولة عن نسبة معتبرة من انبعاثات غازات الدفيئة، واستهلاك المياه والأراضي. ومع تصاعد النقاش حول أثر اللحوم على المناخ، يبحث المستهلكون، خاصة في أوروبا وأمريكا الشمالية، عن بروتينات {منه ونظيفة من حيث المناخ.
المايكوبروتين، بفضل كفاءته العالية في استخدام الموارد، يقدَّم كأحد أكثر الخيارات استدامة في سوق البروتينات البديلة.
2. موجة «الأكل الصحي»
هناك أيضًا موجة عالمية من الوعي الصحي: تقليل الدهون المشبعة، تحسين صحة القلب، وضبط الوزن.
المايكوبروتين يجمع بين:
– بروتين مرتفع
– دهون مشبعة أقل
– ألياف تساعد على الشبع
ما يجعله مناسبًا للحمية النباتية، والمرنين غذائيًا (Flexitarians)، وحتى من يريدون فقط «يوم بلا لحم» في الأسبوع.
3. قفزات في تقنية التخمير
تقدّم تقنيات التخمير الحيوي لعب دورًا حاسمًا؛ الشركات اليوم تستخدم:
– مفاعلات حيوية متقدمة
أنظمة مراقبة بالذكاء الاصطناعي لعملية التخمير
وصفات «هجينة» تمزج المايكوبروتين مع مكونات نباتية أخرى لتحسين الطعم والقوام
هذه الابتكارات جعلت المنتجات أقرب للحوم، ورفعت القدرة الإنتاجية، ما يدعم نمو السوق على المدى الطويل.
تحديات: الجغرافيا السياسية وسلاسل الإمداد
ورغم الصورة الوردية، يشير التقرير إلى أن السوق لا يتحرك في فراغ:
– التوترات بين الولايات المتحدة والصين وأوروبا تؤثر على حركة المواد الخام والتكنولوجيا.
– تقلب أسعار الطاقة بسبب الاضطرابات في الشرق الأوسط ينعكس على كلفة تشغيل المصانع والنقل المبرد.
هذه العوامل تدفع الشركات إلى تبنّي سلاسل إمداد أكثر مرونة، والبحث عن مصادر إنتاج موزّعة جغرافيًا حتى لا يكون اعتمادها على منطقة واحدة فقط.
أين يتركّز هذا النمو عالميًا؟
أوروبا: المعقل الأقدم والأقوى
يبدو أن أوروبا ما زالت في مقدّمة سوق المايكوبروتين، مستفيدة من:
– بيئة تشريعية تشجع الأغذية البديلة منخفضة الأثر البيئي.
– انتشار ثقافة اللحوم النباتية والأنظمة الغذائية المرنة.
– حضور قوي لعلامات تجارية رائدة في هذا المجال، خصوصًا في المملكة المتحدة التي تعدّ أحد أبرز محركات النمو.
في المقابل، قد تشهد السنوات المقبلة ارتفاعًا في كلفة الإنتاج بسبب الرسوم الجمركية أو متطلبات تنظيمية أشد صرامة.
أمريكا الشمالية: وعي صحي و«جيل نباتي» جديد
تحلّ أمريكا الشمالية في المركز الثاني، مع سوق أمريكي يقوده:
– تنامي الوعي بعلاقة الغذاء بالصحة والبيئة.
– صعود أجيال نباتية أو شبه نباتية.
– توسّع كبير في عروض البدائل النباتية في المتاجر الكبرى والمطاعم السريعة.
آسيا: سباق على الإنتاج المحلي
في آسيا، تقود اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان موجة بناء قدرات إنتاج محلية ردًا على مخاطر سلاسل الإمداد العالمية.
في الوقت نفسه:
– الصين تدفع بقوة نحو الاكتفاء الذاتي في البروتينات البديلة، وتستثمر في ابتكار منتجات محلية.
– الهند تمثّل سوقًا واعدًا بفضل التمدّن المتسارع وارتفاع الوعي الصحي، لكن ما زالت تواجه تحديات في البنية التحتية وسلاسل التبريد والتوزيع.
استثمارات وتقنيات… مستقبل «بروتين الفطريات»
التقرير يرصد أيضًا عددًا من التطورات اللافتة:
– استخدام الذكاء الاصطناعي في مراقبة التخمير وتحسين العائد من كل دفعة إنتاج.
– تعاون بين شركات التكنولوجيا الحيوية وشركات الأغذية الكبرى لإطلاق خطوط منتجات مشتركة.
– تدفّق استثمارات كبيرة على الشركات الرائدة في المايكوبروتين، مع اهتمام خاص من الصناديق التي تركّز على الاستدامة والمناخ.
– إطلاق منتجات «مميزة» مثل شرائح فاخرة ونكهات مخصّصة للمطاعم الراقية، وليس فقط البرغر والناجتس التقليدي.
ماذا يعني ذلك لنا في المنطقة العربية؟
بالنسبة للقارئ العربي، خصوصًا في دول تستورد الجزء الأكبر من غذائها وتعاني من محدودية الأراضي الزراعية والمياه، تبدو قصة المايكوبروتين أكثر من مجرد خبر سوقي:
– إنها نموذج على كيف يمكن للتقنية الحيوية والذكاء الاصطناعي أن يعيدا تشكيل مفهوم البروتين نفسه.
– كما أنها تذكير بأن الأمن الغذائي في المستقبل قد يعتمد بقدر كبير على المفاعلات الحيوية بقدر ما يعتمد على الحقول والمزارع.
سواء اتفقنا أو اختلفنا مع فكرة استبدال اللحوم بالكامل، يبدو أن بدائل اللحوم الفطرية ستأخذ مكانًا متزايدًا على رفوف المتاجر وعلى طاولة النقاش العلمي والاقتصادي… وربما قريبًا على موائدنا في المنطقة أيضًا


