في كل مرة تفتح فيها تطبيقًا يعتمد على الذكاء الاصطناعي، تبدو العملية رقمية بالكامل. لكن وراء الشاشة شيءٌ آخر: حرارة تتصاعد داخل قاعات مكتظة بالخوادم، ومياه تُستخدم لتبريدها، وكهرباء تتدفق من شبكة قد لا تكون مستعدة لهذا النمو المتسارع. هنا تبدأ القصة التي باتت تهم الدول والحكومات وشركات التقنية معًا، ويبرز السؤال: هل أصبح الذكاء الاصطناعي “عطِشًا” للماء، أم أن المشكلة الأكبر هي الطاقة؟
لماذا تستخدم مراكز البيانات الماء أصلًا؟
السبب المباشر هو التبريد وإدارة الحرارة. مراكز البيانات التي تستضيف تدريب النماذج وتشغيلها تضم خوادم عالية الأداء تولد حرارة كبيرة، ويصبح الحفاظ على درجات حرارة ورطوبة مناسبة شرطًا لاستقرار العمل. وبحسب تقديرات الوكالة الدولية للطاقة، تتفاوت حصة أنظمة التبريد من استهلاك الكهرباء داخل مراكز البيانات بين نحو 7 بالمئة في المراكز فائقة الكفاءة وأكثر من 30 بالمئة في المراكز الأقل كفاءة، ما يوضح أن التبريد ليس تفصيلًا ثانويًا في فاتورة الطاقة.
وعندما يعتمد التبريد على أنظمة تبخيرية أو أبراج تبريد، فإن جزءًا كبيرا من الماء لا يعود إلى الشبكة المائية، بل يتحول إلى بخار. في عرض أُعد لصالح NASUCA عام 2025، يرد أن نحو 80 بالمئة من المياه المسحوبة في هذا السياق يتم فقدها في صورة بخار، بينما يخضع الجزء المتبقي لمسارات تصريف أو معالجة بحسب التصميم والاشتراطات التنظيمية.
لماذا تتضارب الأرقام حول مياه الذكاء الاصطناعي؟
جزء من الالتباس يأتي من أن مقارنة الأرقام لا تقيس الشيء نفسه. فهناك ماء مباشر يُستخدم داخل موقع مركز البيانات. وهناك ماء غير مباشر مرتبط بإنتاج الكهرباء التي تغذي الخوادم وأنظمة التبريد؛ أي أن استهلاك الكهرباء قد يحمل بصمة مائية خارج أسوار المركز بحسب مزيج توليد الطاقة.
حتى داخل القياس المباشر، يختلف المصطلح بين “السحب” و”الاستهلاك”. تعريف شائع في أدبيات السياسات العامة يعتبر استهلاك الماء هو الفارق بين المياه المسحوبة والمياه المُصرّفة، وليس إجمالي ما يمر عبر الأنابيب.
وعندما ننتقل إلى السؤال الأقرب لاهتمام الجمهور، أي “كم من الماء يستهلك كل تفاعل مع نموذج ذكاء اصطناعي؟”، وهنا تظهر الفجوة بين التقديرات. ففي دراسة أكاديمية صادرة عن فريق من جامعة كاليفورنيا ريفرسايد، قُدّر أن ما بين 20 و50 استعلامًا قد يرتبط بنحو نصف لتر من استهلاك المياه، مع التأكيد أن الرقم يتغير بشكل ملحوظ تبعًا لموقع مركز البيانات، وتوقيت التشغيل، ونظام التبريد المستخدم. وفي المقابل، نقلت تغطية إعلامية عن سام ألتمان رقمًا أقل بكثير لمتوسط استهلاك الماء لكل طلب، ما أعاد فتح النقاش حول منهجيات الحساب وحدود الشفافية. الخلاصة هنا ليست رقمًا واحدًا، بل حقيقة أن الاستهلاك يتبدل جذريًا بحسب موقع مركز البيانات وتقنية التبريد ومصدر الكهرباء وحالة ندرة المياه محليًا.
ما أنواع المياه المستخدمة في تبريد مراكز البيانات؟
أولًا، مياه صالحة للشرب. وهي الأكثر شيوعًا في كثير من المواقع بسبب جودة المياه وموثوقية الإمداد، ولأن ذلك يقلل مخاطر التآكل والترسبات ويحمي المعدات على المدى الطويل، وفق عرض NASUCA.
ثانيًا، مياه غير صالحة للشرب. وتُستخدم أحيانًا عندما تتوافر بنية تحتية مناسبة أو عند وجود ضغط مجتمعي وتنظيمي لتخفيف الاعتماد على مياه الشرب. العرض نفسه يشير إلى أن جزءًا من سحوبات جوجل في 2023 كان من مياه غير صالحة للشرب.
ثالثًا، مياه مُعاد تدويرها أو مُستصلحة. وهي مياه تم معالجتها بعد استخدام سابق لتصبح مناسبة لاستخدامات غير الشرب مثل التبريد. أمازون تقول إنها تستخدم مياهًا معاد تدويرها للتبريد في عدد من مراكز البيانات عالميًا، وتخطط لتوسيع ذلك في الولايات المتحدة إلى أكثر من 120 موقعًا بحلول 2030 لتقليل الضغط على مياه الشرب.
رابعًا، اختلافات بحسب السياق المحلي. بعض المناطق قد تعتمد على مصادر بديلة أو ترتيبات خاصة، لكن القاعدة العامة أن نوع الماء ليس تفصيلًا فنيًا فقط، بل قرار يتداخل فيه التخطيط، وشروط البيئة، وتوافر البنية التحتية للمياه المعاد تدويرها.
متى يصبح القلق من الكهرباء أكبر من القلق من الماء؟
لأن نمو الطلب الكهربائي صار أسرع من قدرة الشبكات على اللحاق به. الوكالة الدولية للطاقة تقدّر أن استهلاك مراكز البيانات عالميًا بلغ نحو 415 تيراواط/ ساعة في 2024، وأنه قد يتضاعف إلى نحو 945 تيراواط/ ساعة بحلول 2030 في السيناريو الأساسي، مدفوعًا بقفزة أحمال الذكاء الاصطناعي. الوكالة تضيف نقطة عملية مهمة وهي بناء مركز بيانات قد يستغرق سنتين إلى ثلاث، بينما يحتاج توسيع التوليد والشبكات إلى مدد أطول، ما يجعل اختناق الشبكة خطرًا واقعيًا في مناطق التجمعات الكبرى لمراكز البيانات.
وهذا ما يفسر لماذا تتجه شركات تقنية كبرى إلى استراتيجية “كل الخيارات على الطاولة” لتأمين الطاقة، وفق تقارير لرويترز، بين مصادر متجددة وغاز طبيعي ونقاش متجدد حول الطاقة النووية، ليس تراجعًا بالضرورة عن أهداف الاستدامة، بل محاولة لتجاوز واقع التأخيرات في ربط الشبكات وضمان الإمداد.
كيف نقلل استهلاك الماء والكهرباء معًا؟
أولًا، تقليل الحرارة من المصدر. أي تحسين كفاءة العتاد والبرمجيات، لأن كل واط يتم توفيره داخل الخوادم يعني تبريدًا أقل وماءً أقل وطاقة أقل.
ثانيًا، التحول إلى تبريد سائل ودوائر مغلقة حيثما أمكن. مايكروسوفت أعلنت تصميمًا “يستهلك صفر ماء للتبريد” عبر تقنيات تبريد على مستوى الشريحة ودورة مياه مغلقة، وتقول إن ذلك قد يتجنب الحاجة إلى أكثر من 125 مليون لتر سنويًا لكل مركز بيانات من ناحية مياه التبريد التبخيري.
ثالثًا، استخدام مياه غير صالحة للشرب أو مُعاد تدويرها بدلًا من مياه الشرب عندما تسمح البنية التحتية، وهذا مسار تتحدث عنه شركات تشغيل كبرى مثل أمازون وإكوينكس.
رابعًا، تحسين القياس والإفصاح. الصناعة تعتمد مؤشرات مثل فعالية استخدام المياه WUE التي طورتها The Green Grid لربط استهلاك الماء بالطاقة المستهلكة في معدات تقنية المعلومات، ما يجعل المقارنات أوضح بين المواقع والسنوات.
خامسًا، مرونة التشغيل مع الشبكة. نقل بعض الأحمال إلى ساعات وفرة الكهرباء المتجددة، وإدارة الذروة، وتوزيع المواقع جغرافيًا لتقليل الضغط على “العناقيد” التي تعاني اختناقات، وهي توصيات تتقاطع مع تحذيرات الوكالة الدولية للطاقة من تحديات التركز المكاني لمراكز البيانات.
إن استهلاك الماء في الذكاء الاصطناعي حقيقي، لكنه ليس رقمًا ثابتًا ولا ظاهرة واحدة. في مدن لديها وفرة من المياه قد يصبح التركيز الأهم على الكهرباء وقدرة الشبكة والانبعاثات، بينما في مناطق الشح المائي قد تتحول أي زيادة في الاستهلاك إلى قضية مجتمعية واقتصادية. وبينهما، يتحرك القطاع نحو حلول تبريد أقل استهلاكا للمياه ومقاييس أكثر دقة، لكن اتجاه الطلب الكهربائي يبقى العامل الذي قد يحدد سرعة التوسع وحدوده في السنوات القادمة.


